رشا الشيخلي
09-26-2008, 08:54 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
رسالة هيئة علماء المسلمين الى المجاهدين في العراق
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة مفتوحة
من هيئة علماء المسلمين في العراق
إلى أبنائنا وإخواننا المجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق
((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))7/سورة محمد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آلـــه وصحبـه أجمعين
وبعد:
فإننا نخاطب في هذه الرسالة المفتوحة من كنا ننتظر الفرصة المناسبة لمخاطبتهم، ويحدونا الشوق للحديث معهم، فهم قرة العين، وتاج الرأس، ودرة البلاد..
نخاطب من كانوا للدين الذي ارتضاه الله لنا، وأعلى به قدرنا، جنوداً أوفياء، وكانوا للبلد الطيب الذي أقامنا الله فيه أبناء بررة، فهم حماة الأرض والعرض.
يا من غسلتم عنا عار احتلال بغداد، ويا من رفعتم رؤوسنا عاليا، ويا من لقنتم أعداء الدين والإنسانية دروساً في التضحية والفداء، والصبر على البأس، لن ينسوها عبر التاريخ .
لقد تجلى فيكم قبس من معاني قول الله عز وجل ((..فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )) من آية 54/المائدة
يا أبناءنا ويا إخواننا الصابرين المحتسبين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
منذ بداية الاحتلال ومع انطلاقة جهادكم المبارك، كنا ندرك ثقل المهمة التي قررتم حملها على عاتقكم، فأنتم في صراع مع دولة عظمى، غزت قبلنا دولا عديدة، وتمتلك من الخبرات في تأسيس حكومات على أمزجتها، واحتواء ما يبدو من مقاومة لها، وأموال توظف لخدمة أهدافها، ما لا يملكه احد في العالم.
كان المحتل قد أعد لكل شيء عدته، فاصطحب معه آلافاً من الشركات الأمنية وفرق الموت، وجيشاً من الساسة والعملاء، لتوظيفهم في سبيل دعم قواته العسكرية البرية والجوية والبحرية، وعدتها المتفوقة بكل المعايير، من اجل الوصول إلى هدفه في احتلال العالم الإسلامي في عقر داره، فضلا عن آلته الإعلامية الضخمة التي لم تنقطع منذ أمد طويل قبل الاحتلال وحتى اللحظة من اجل تهيئة العالم للقبول بالوضع الجديد على أرض العراق.
أدركنا في هيئة علماء المسلمين خطورة الحدث، فبدأنا طريقنا، بتعبئة الناس ضد الاحتلال، وإحياء مفاهيم الجهاد وقيم المقاومة في النفوس.
وليس سرا القول: إننا كنا وراء الإعداد والتخطيط والحشد،وضمن دائرة المشاركة ،في التظاهرة الأولى التي قادها علماء الشريعة ضد الاحتلال في العاصمة بغداد، وفي قلبها النابض : الأعظمية، في الجمعة الثانية بعد الاحتلال بتاريخ 16 /صفر /1424هـ الموافق 18 /4 / 2003م، وكذلك في مدينة الفلوجة المباركة التي قادها العلماء أيضا بتاريخ 28/صفر/1424هـ الموافق30/4/2003م ، وسقط فيها عدد من الشهداء، وكانت الجذوة التي انطلق منها الجهاد في تلك الديار .
أما أبناء شعبنا، فحالهم آنذاك يرثى لها، فقد أصيبوا بما يشبه الدوار، ونالت منهم الصدمة كل منال، ولم يكن يخطر في بال أحدهم أن يرى يوما ما على أرضه دبابة أمريكية، أو جنديا محتلا.
كما أن المسلسل التخريبي لبلادهم الذي أعقب احتلال بغداد، وأتقن المحتل فصوله، والذي طال مؤسساتهم، ومعالم مدنهم، على أيدي مخربين، وبعض الغوغاء من أبناء بلدهم ـ عبدت لهم الطريق إلى هذا التخريب بخبث ودهاء ـ جعلهم في حيرة من أمرهم .
وزاد الطين بلة أن جزءا منهم، طلبت منهم مراجع لهم يثقون فيها التزام الحياد، وإمهال قوات الاحتلال شهورا، قبل حمل أي سلاح في وجوههم، وخلال هذه الشهور تمكن الاحتلال من مناطقهم ، وانتشرت الأجهزة الأمنية والميليشيات في مدنهم، وتمت السيطرة عليهم على نحو ضيق عليهم فرص الجهاد والمقاومة، وجزءا آخر منهم كان خاضعا لهيمنة أحزاب مستبدة تمكنت لعقد مضى من الانفراد به، وإحكام السيطرة عليه، واستغلال مظلمته للابتعاد عن هذا الشرف العظيم ، مما جعل فرص المقاومة بالنسبة له أكثر ضيقا من الأولين .
وعلى الرغم من ذلك، كان لكل جزء منهما، نشاطات مقاومة هنا وهناك، لكنها ـ على العموم ـ أشبه بالمبادرات المحدودة، تقف وراءها دوافع شتى، ومع ذلك يلزمنا ـ إذا أردنا الحفاظ على وحدة العراق ـ أن نعمل على إنمائها، وتصحيح مسارها، ودعمها بالموقف والكلمة.
أما انتم أيها الأسود الأشاوس فقد مَنَّ الله عليكم منذ بدء الاحتلال لتكونوا أصحاب زمام المبادرة في الجهاد والمقاومة، وفي طليعة هذا الركب الميمون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وهو أمر يستلزم الشكر لله سبحانه، ،والتواضع ،والشعور بالمسؤولية، ليس إلا.
وكان الله في عونكم ..فالمهمة التي وطنتم أنفسكم لها صعبة للغاية، والتحديات التي كانت ـ ومازالت ـ تعترض سبيلكم كبيرة، والمعركة في الميدان ضروس، والتخذيل والإرجاف محيط بكم كما يحيط السوار بالمعصم .
تبذلون نفوسكم رخيصة في سبيل الله ،وتنفقون أموالكم ومقتنياتكم ،وتفارقون أهليكم وأبناءكم ،من اجل إعلاء كلمته ،وتحرير الأرض والعرض من الغاصبين ،وبدل أن توجه إليكم كلمات الدعم والتأييد من الجميع، ينهال المرجفون عليكم بشتى التهم، ويتآمر عليكم المبطلون بشتى الوسائل.
قوات الاحتلال وأجهزتها السرية ضدكم، والحكومة وأجهزتها العسكرية والأمنية والإعلامية ضدكم، والميليشيات الطائفية ضدكم، وبعض دول الجوار ضدكم، وبعض أبناء جلدتكم ضدكم، ولكنكم ـ بفضل الله ـ صامدون لم تفتر لكم عزيمة، ولم يلن لكم جانب، وماضون في تسديد الضربات الموجعة للعدو..حتى طفق الترنح والدوار ينالان منه، ويقربانه من الهزيمة، من دون أن ينال الإرجاف من عزمكم، وهذا ـ لعمر الله ـ شأن الرجال الذين قال الله سبحانه فيهم ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..))من آية23/الأحزاب
أيها الأبطال الأشداء:
لا يشغلن بالكم ما يظهره المحتل من جلادة، وما يطلقه من مزاعم للبقاء طويلا ، فهذه مظاهر كاذبة، قوامها التمويه، والتسلي بالأماني، والحقيقة انه في ظرف مرٍ، وواقع أليم، فخيبة الأمل تملأ جوفه، والرعب يسكن جوانحه، والموت يأتيه من كل جانب وما هو بميت، وهو اليوم ليس له من هم سوى البحث عن وسيلة تيسر له الفرار بأقل قدر من الخسائر،فلم يعد يحتمل منها المزيد.
فاستعدوا للحظة النصر، التي تحبونها ((...نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ...))من آية13/سورة الصف..
ولكن ..وهنا نلفت نظركم الكريم إلى قضية مهمة، وهي: ان حركات الجهاد والمقاومة في عالمنا الإسلامي كثيراً ما تنجح في تحقيق النصر على أعدائها، بيد أنها ـ في الغالب ـ تفشل في التمكين لأهدافها بعد الصراع ..فهل حسبتم لذلك حسابا؟.
هذا السؤال مهم للغاية، وقد آن الأوان لتضعوه نصب أعينكم.
دائماً كنا نقول لمن يشكو ما ينزل على العراقيين من البلاء، إن هذا زائل حتما، فوجود الاحتلال في أرضنا من شأنه أن يوحد الجهود، ويفضي بالمحصلة إلى التحرير، ولكن السؤال الصعب ـ هكذا كنا نقول له ـ ماذا بعد ؟ ماذا بعد خروج المحتل ؟!
إن الخوف من المجهول يكمن هنا ..والقلق يرد من هذا الموطن!
وما لم تفكروا في تلك المرحلة من الآن ،وتعدوا لها العدة ،وتبكروا في الاتفاق عليها ،فقد تفاجؤون بحصاد مر، يجعل شعبنا يحن إلى مثل هذه الأيام، على الرغم من مرارتها، إذا ما واجه أياما أكثر مرارة، لا من حيث وجود الاحتلال، ولكن من حيث حصول الفرقة والاختصام ، والتردي في جوانب الحياة كافة، تماما كما تلاحظون هذا الشعب بدأ يحن إلى أيام النظام السابق ،على الرغم من أنها لم تكن أيام سلام ورفاه.
إذا لم تفعلوا ما تقتضيه المعالجة منكم لتلك المرحلة، فإن ثمة عدة مآلات ستنتهي إليها الأحوال،عليكم التفكير فيها بجدية، وعدم إهمالها، ومنها مآلان، هما في غاية الخطورة :
الأول: أن يقطف ثمرة الجهاد والمقاومة غير أصحابها الشرعيين.
إن المحتل قد يخرج من الباب بفعل الجهاد والمقاومة، لكنه من الممكن أن يعود من الشباك بفعل من سيخلفه في إدارة البلاد، وهو من دون شك حين يقرر المغادرة، يهيئ البديل، والبديل الذي يقع عليه اختيار المحتل يكون عميلا لا محالة، ليحقق لأسياده ،ما عجزوا عن تحقيقه بأنفسهم من خلال الحرب..
ومن دون شك فان العميل القادم إذا تسلم السلطة فستكون من أولوياته ضرب عناصر الجهاد والمقاومة، وتصفية هذا التوجه الحيوي لها في رفض المحتل، ولعموم أبناء الشعب.
وهاهو ذا المحتل ـ اليوم ـ على أبواب لعبة سياسية جديدة، يحاول من خلالها استبعاد وجوه، وتقريب أخرى، في حركة يائسة منه، لتحقيق شيء مما عجز عن تحقيقه طيلة الفترة الماضية.
فالحذر الحذر من إن تفتنكم بهذا الصدد عروض، قال الله تعالى ((أم حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولارسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون )) آية 16/التوبة
الثاني:الاقتتال بين الفصائل.
وهذا احتمال وارد للغاية، إذا لم يكن للفصائل برنامج موحد.
لا ينبغي أن ننسى تجربة المجاهدين الأفغان، وهذا لو حدث ـ نسأل الله السلامة ـ فإن تداعياته ستكون جسيمة للغاية ..
فمن جهة ستفقد الأمة الثقة بأبنائها، وربما يتطور الأمر إلى اهتزاز الثقة بأمردينها.
لنسأل أنفسنا كم أحبطنا عندما تحول الجهاد الأفغاني إلى اقتتال داخلي في مرحلة ما بعد تحرير أفغانستان ؟!!.
هذا يمكن أن يتكرر ـ وعلى نحو أشد ـ إذا تكرر الخطأ في العراق!!.
فالعراق ليس متطرفا في المكان الجغرافي مثل أفغانستان، والمعركة فيه حظيت بتغطية إعلامية أكثر بما لا يقاس مما حظيت به المعركة الأفغانية، وبالتالي فإن التفاصيل التي ستعقب الانتصار، سيطلع عليها الجميع،وعلى نحو أكثر سعة وشمولا، فإذا كانت ـ حينها ـ محبطة ،وكاشفة عن نزاع داخلي،وصراع دموي، فمن الممكن ـ والحالة هذه ـ أن ينقلب أهل الجهاد في نظر الناس من حماة للبلاد، يفتخر الناس ببطولاتهم إلى محاربين هواة، غايتهم الاستحواذ على السلطة، وبناء مجد لهم على الجماجم والدماء.
ولا ننسى أن المحتل انفق كثيرا من الأموال والجهود في سبيل شق صف المقاومين المجاهدين، ولم ييأس بعد.
ولا نكتمكم القول: إن ثمة بوادر مقلقة بهذا الشأن ـ للأسف الشديد ـ تأتي بمثابة طوق نجاة للعدو، ففي الوقت الذي يبدو فيه الرئيس الأمريكي أحوج ما يكون إلى إقناع الكونغرس الأمريكي والشعب الأمريكي ودول العالم بضرورة بقاء قواته في العراق، تلوح في الأفق مثل هذه البوادر المقلقة .
إن نزاعا من هذا القبيل سيكون ـ حتما ـ طوق النجاة المنشود بالنسبة له، سيقول الرئيس الأمريكي لمعارضيه: لقد نجحنا في معركتنا مع أعدائنا، فالانشقاق طفق يدب في صفوفهم، امنحونا بعض الوقت ،لننهي وجودهم !!.
قال الله تعالى ((ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)) من آية 217/البقرة
لذا نصيحتنا لكم ألا تقعوا في هذا الفخ، وقد من الله عليكم بتجاوزه سنوات،لاسيما أنكم على أبواب النصر العظيم بإذن الله.
يجب أن تعملوا على احتواء أي خلاف بينكم بسرعة البرق ،وان تتساموا على الجراح ،وان اقتضى ذلك أن تتجرعوا شيئا من المرارة،لان الهزيمة أمام المحتل بعد كل هذه التضحيات ، ستكون بمنزلة السم الذي سيصيب منا جميعا مقتلا واحدا.
قال الله تعالى ((ياأيها الذين آمنوااذالقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون .واطيعوا الله ورسوله ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) )الآيتان 45 ـ 46/الانفال
إن التوتر الملحوظ هذه الأيام في العمل الجهادي بين الفصائل ،متوقع وليس مفاجئا ،وله أسباب ،منها :أن المحتل ـ وقد قرر الخروج من العراق ـ لا يريد أن يخلفه مشروع جهادي ناجح، بل يسعى بما يملك من مكر ودهاء إلى دس بذور الفتنة بين الفصائل، إلى الحد الذي يبدون فيه أمام الناس أصحاب أهواء وأطماع ليس إلا .
ومع حجم الأموال التي أنفقها المحتل في هذه السبيل، وإحداث الاختراقات في بعض الصفوف، وما جبلت عليه بعض النفوس من ضعف، وما يعتريها أحيانا من أثرة وأنانية، فإننا كنا نتوقع مثل هذا التوتر، وأحيانا الصراع.
وفي كل الأحوال يجب أن تتذكروا أن الله سبحانه لن يبارك يدا ـ تقول إنها مجاهدة ـ تمتد لتريق دم مجاهد آخر، أو تصده عن المضي قدما في سبيله، أو تسعى لاستغلال جهاده لمآرب من شأنها بث الفرقة في الصفوف، وإضعاف حال الجهاد.
ويجب أن تتذكرواـ في الوقت ذاته ـ ان الذي لا يُقبل ـ تحت أية ذريعة ـ هو الاستعانة بالكافر المحتل على أخ لكم في الطريق ،مهما فحش خطؤه ،فهذا الداء الذي لا دواء له ،والعلة القاصمة للظهور،التي تأتي الهزيمة من قبلها.. فإياكم وإياكم..
قال سبحانه ((ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين. وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم ايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم )) الآيتان 100ـ 101/آل عمران
ومن جهة أخرى إذا حدث مثل هذا النزاع ـ عافانا الله وإياكم ـ فإننا سنمنى بخسارة معنوية فادحة، تتجلى في فقداننا الإحساس بنشوة النصر العظيم في معركة فاصلة ـ كهذه ـ يندر وقوعها عبر التاريخ، وهذا يجر إلى أن نفقد الرصيد التربوي والأخلاقي الذي يمكن أن نحصل عليه جراء النصر في هذه المعركة ،والذي نعول عليه في تربية أجيالنا القادمة على الثقة بالنفس ،والاعتزاز بالتاريخ، والتحلي بروح المثابرة والإقدام .
نحن إلى اليوم نربي أجيالنا على بطولات الصحابة الأجلاء، وآل البيت الأطهار، أمثال سادتنا عمر الفاروق وعلي الكرار وجعفر الطيار،وسيف الله خالد بن الوليد ،وبطل القادسية سعد ابن أبي وقاص وغيرهم رضي الله عنهم جميعا، فنروي قصصهم في الجهاد والفداء، للصغير والكبير، والنساء والرجال، فنشحذ الهمم، ونشد القلوب نحو السماء .
ويجب الإقرار ـ من غير مجاملة ـ بان ما قدمه المجاهدون المقاومون من بطولات في معركتنا هذه لا يقل شأنا عما قدمه الجيل الأول، وإذا انتهت الأمور على خير، ولم ينزلق أهل الجهاد في الفتنة، فان أبناء هذا البلد،والمسلمين بشكل عام سيظلون يستذكرون هذه البطولات بكثير من الفخر والاعتزاز حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، يستمدون منها العزم، ويستنبطون من قصصها دروسا عظيمة في التربية والسلوك، يتعاهدون أبناءهم عليها، ويغذون أجيالهم بمعانيها، وهذا ـ في تقديرنا ـ ما يسعى العدو إلى تفويت خيره علينا.
وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى التنويه بالحل الذي يقيكم الوقوع في مثل هذه الفخاخ، والذي ينبغي ـ في تقديرنا ـ أن يتخذ على عجل، وقبل فوات الأوان، ويتلخص في ضرورة العمل بشكل جماعي متناغم على تشكيل رؤية متفقة في تحديد معالم المستقبل للعراق، وأن يعلم كل فصيل انه لوحده لن يكون قادرا على رسم هذا المستقبل، والانفراد بصياغته على أرض الواقع، فالوضع في بلدنا معقد للغاية، ويحتاج الخروج من مأزقه إلى جهود كبيرة، وهذا لن يتأتى إلا بتوحيد القوى، وتركيز العمل، ومن ظن انه لوحده يستطيع أن ينجز هذا العمل فهو واهم للغاية!.
أيها الفضلاء..أيها الأحباب
إن المرحلة التي تمرون بها من الخطورة بمكان، فالمحتلون على وشك الخروج والهزيمة له ـ كما أسلفناـ مقبلة لامحالة ،بحول الله وقوته ، ومثلما امتحنت الإدارة الأمريكية في رسم سياسة ناجحة للبلاد بعد احتلالها له، وفشلت في ذلك فشلا ذريعا لأسباب عديدة، في مقدمتها جهادكم وتضحياتكم، فإنكم ستتعرضون للامتحان ذاته ،وعليكم أن تكونوا بمستوى المسؤولية، وترسموا للبلاد سياسة مستقبلية ناجحة .
وليس الأمر بالهين ،كما قد يخطر في بال بعض من لم يخبر هذا الميدان ،بل إن بينكم وبين الوصول إلى ذلك الهدف عقبات .
فأنتم بحاجة أولا إلى أن تتفقوا على برنامج سياسي موحد، ترسمون من خلاله مستقبل هذا البلد الذي وثق أهله بكم، وعقدوا من أجل الخلاص من المأزق الذي هم فيه آمالا عليكم.
ونؤكد على ضرورة الاتفاق لأنه أول الطريق إلى النجاح.
ونحن حين نتابع أطروحاتكم نجد أن لديكم برامج واضحة ،ولكن هناك خلافا في الرؤية حول ما ينبغي أن يكون عليه مستقبل العراق .
فبعض الفصائل فيكم تتبنى مشروع الخلافة العظمى.
وثمة فصائل تريد للعراق حكما إسلاميا، وتقتصر طموحاتهم على فعل ذلك داخل حدود بلدهم.
وثمة فصائل أخرى تعتمد الخيار الذي يسعى إلى تأسيس دولة مؤسسات حديثة، يكون الإسلام فيها الدين الرسمي للدولة، والمصدر الأساسي للتشريع، ولا يسن قانون يخالف ثوابته، وتكون هذه البداية لتحقيق الطموح.
هذا الخلاف يجب أن يسوى من الآن، وقبل أن يخرج المحتل ،لأن عدم تسويته سيجر أصحابه إلى الاختلاف حتما، ومن ثم الاقتتال الذي حذرنا منه آنفا، ومن قبل حذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (121)رواه البخاري
ونحن في هيئة علماء المسلمين وجهنا نداء عاجلا إلى أبناء الجهاد أن يفكروا بهذا الأمر مليا، وان يستعدوا للحظة يكونون فيها على خط المواجهة مع شعبنا في تحمل المسؤولية، كما طلبنا منهم الحوار المبكر فيما بينهم، وإبداء المرونة بهذا الصدد، لان الاتفاق بين جماعات تمتلك رؤى متباينة يتطلب إبداء تنازلات من جميع الأطراف،نزولا عندما يمليه فقه الواقع ومعطياته، وتحقيقا للمصلحة العامة، التي أوجب الشرع مراعاتها.
ومن اجل خطوة في هذا الاتجاه دعونا إلى توحيد الفصائل ـ منذ شهورـ على مستوى اللقاء والتنسيق في اقل تقدير، ونجد الآن ـ بحمد الله ـ مبادرات في هذا الصدد، ونحن نؤيدها وندعمها ،ونسأل الله سبحانه ان يتم نعمته على المجاهدين في تحقيق ذلك
ويوم يحدث هذا، فسيجد المحتل نفسه مضطرا للتعامل معها بما يحقق الأهداف الكبرى للبلاد ـ مباشرة أو بالواسطة ـ لأنها الجهة التي غدت ـ لتوحدها في الموقف والمشروع ـ قوة كبرى لا يمكن تجاهلها، أو يضطر إلى ترك البلاد لأهلها ،وفي الحالين سيكون بمقدورنا توجيه قافلتنا بالاتجاه الذي نريده، وليس بالاتجاه الذي يريده المحتل لها
ولعل من المناسب التنبيه على أن من الخطأ الفادح أن تتعجل بعض الفصائل بفتح قناة للحوار مع المحتل قبل انجاز هذه الخطوة، كل على حدة، وببرامج مختلفة، فهذا كمين يتقن المحتل نصبه بدهاء، ويحقق له أهدافا كثيرة، منها: شرذمة المقاومة لإضعافها، ودق إسفين بين فصائلها لتبتعد عن اللقاء فيما بينها، ومن ثم تفويت الفرصة عليها لتكون قوة فاعلة ومؤثرة على الأرض، ومنها استدراج الفصائل تحت وعود كاذبة بالتمكين لها من الحكم، وإغراءات خادعة، وربما تشفع بدعم وتمويل أيضا، لتسير ـ من حيث لا تشعرـ في طريق تنفيذ مشاريع للمحتل، عجز هو بنفسه عن تنفيذها، فالحذر من أن يستمال بعضكم ،من قبل أطراف معادية، لتقديم تنازلات تذهب بالدين والدنيا معا.
قال الله تعالى ((ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم خبالا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من افواههم وما تخفي صدورهم اكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون )) آية 118/آل عمران
إن هذه الخديعة الغرض منها إشغال هذا البعض عن هدفه الأساس في الجهاد، واستعماله أداة في إضعاف الآخرين، حتى إذا تمكن منهم، وبقي وحده في الميدان، سهل على العدو شل قواه، ومن ثم الإجهاز عليه.
ولقد أحسن احد الشعراء حين قال:
مخطىء من ظن يوما أن للثعلـب دينـا
ولنا ولكم في تاريخ الاندلس خير شاهد وعبرة لكل معتبر
أيها السادة ..
إذا وصلتم هذه المرحلة، فإننا نذكركم نصحا بما هو آت:
أولا: يجب أن تدركوا حقيقة مهمة للغاية، وهي: أنكم لستم وحدكم من يمثل الشعب العراقي، وأصحاب المشروع الجهادي فيه، مع الإقرار بأنكم قلبه النابض، وفي مقدمته، وأصحاب ركنه الأعظم، لان العمل المقاوم لا يتوقف نجاحه على وجود ثلة مباركة تحمل السلاح ضد العدو فحسب، بل تقف وراء ذلك مجموعة من العوامل، تساهم مجتمعة في إنجاح مثل هذا المشروع العظيم .
ومن ذلك: البيئة الحاضنة للعمل الجهادي المقاوم، التي من دونها يغدو العمل مستحيلا .
وإذن..فكل من سمح لكم بالحركة والتنقل، وممارسة العمل الجهادي المقاوم على أرضه، أو في حيه، أو ضمن حدائقه وبساتينه، أو في أي موطن يعود إليه تملكه، فهو شريك لكم في مشروع الجـهاد والمقاومة.
وتذكروا ان الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم لو لم يجعلوا من بيوتهم وأحيائهم ومزارعهم أرضا لدولة الإسلام، لم تنطلق للمسلمين راية جهاد واحدة.
ومنها: الجهات الممولة لهذا العمل، التي تعد ـ بكل المقاييس ـ عصب الحياة له ،فالمقاوم المجاهد ما لم يجهز بجهاز المعركة من سلاح وذخيرة ووسائط نقل وغير ذلك لن يكون بمقدوره المضي قدما في جهاده، وقد قال نبينا الأكرم محمد عليه الصلاة والسلام: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا ) (2688)البخاري،(1895)مسلم.
وبالتالي فان هذه الجهات هي الأخرى شريكة لكم.
ومنها:القوى السياسية وغير السياسية الرافضة للاحتلال ،والمقاومة لمشاريعه في البلاد، التي نأت بنفسها أن تساهم في أية مرحلة من مراحل الاحتلال في إنجاح المشروع الأمريكي ولم تروج له، والتي ارتفع لها صوت في التنديد بالمحتل وكشف أوراقه، ودعم فعالياتكم في الجهاد، بكلمة في فضائية، أو مذياع ، أو مقال في صحيفة أو على مواقع الانترنت، أو خطاب في ملتقى شعبي أو دولـي ،في سياق يصدق فيه قول المصطفى عليه الصلاة والسلام (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان )(4013)ابن ماجه
هؤلاء جميعا بغض النظر عن انتماءاتهم أو دوافعهم ـ فالنيات يعلمها الله سبحانه ،ونحن مأمورون في الشرع ابتداء باحسان الظن بهم ـ كانوا الصوت المعبر عن جهادكم ومقاومتكم، ولاسيما في بداية المعركة يوم لم يكن لكم حينها صوت ظاهر.
ولقد جهدت قوات الاحتلال من خلال آلتها الإعلامية الضخمة أن تعمل على تقزيم مقاومتكم ،وتشويه صورتها ، والإيحاء بأنها لا تعدو أن تكون فعاليات لشرذمة فقدت مكاسبها بسبب الاحتلال، وليس لديها هدف نبيل، ولكنها ـ بفضل الله ـ باءت بالفشل، ولقد كان لهؤلاء ـ من دون شك ـ دور كبير في ذلك ، فهم شركاء لكم بالضرورة في هذا المشروع.
ومنها: أصحاب الوظائف والأعمال والكفاءات من السلك العسكري والمدني بكل صنوفهما، الذين رفضوا العمل في ظل الاحتلال، والذين يملكون من القدرة والكفاءة ما يمكنهم من العمل في مؤسسات (الدولة) التي أنشأها المحتل، ولكنهم لم يفعلوا، وآثروا البعد، وعدم تقديم أي دعم أو تأييد لمشاريع المحتل، وكان لمقاطعتهم الأثر الكبير في الحيلولة بين المحتل وبين تأسيس دولة تمكنه من البقاء، هم الآخرون شركاء لكم في هذا المشروع .
ومنها: عامة الشعب بكل طوائفه وأعراقه، من الذين لم يتواطئوا مع المحتل، ولا مع عملائه، وصبروا على الظروف الصعبة التي تمر بالبلاد، فمنهم من هاجر وترك طيب مسكنه، وفقد بسبب ذلك عمله أو تجارته، ورضي بالعيش غريبا في غير بلاده، ومنهم من انكفأ في بيته، وأخذ يقتات على ما لديه من مخزون طعام، وينفق من بقية مال عنده، ومنهم من فقد ولده أو زوجه أو أباه أو أمه، ومنهم من فقد بيته، أو مصنعه، بسبب المعركة أو تداعياتها، وغير ذلك مما لا يمكن حصره .
هؤلاء الصابرون المحتسبون الذين لم يظهروا عداء لكم ،ولم يتبرموا من جهادكم ،بل كانوا يدعون لكم بالنصر والثبات، ويصبون جام غضبهم على المحتل وحكومته، هم شركاء لكم في العمل الجهادي المقاوم .
وإذن..حين يكون هؤلاء شركاء لكم جميعا ،فلا يمكنكم ـ وهذا ما قصدنا بيانه من هذا العرض ـ أن تتجاهلوا إرادتهم في رسم مستقبل العراق، وانتم مدعوون إلى التعرف على طموحاتهم، وأطروحاتهم بهذا الصدد، ومطالبون ـ في الوقت ذاته ـ ألا تتجاوزوهم في أي مشروع سياسي قادم، لاسيما أنهم أغلبية، ولابد أن يكون في حسبانكم أن أي مشروع لا يحظى بنسبة تأييد غالبة منهم، لن يكتب له النجاح، وستكون في طريق نجاحه عقبات ومشكلات.
ثانيا: لابد أن تضعوا في عين الاعتبار حال اختياركم أي مشروع سياسي خصوصيات المنطقة، والوضع الدولي القائم ، وتصور ذلك على حقيقته وواقعه، ومراعاته على نحو لايضر بالدين ،هو ـ في تقديرنا ـ جزء من جهادكم .
إن إفشال مشروع احتلال دولة عظمى، وإلحاق الهزيمة به لا يعني إمكانية تشييد دولة لم يبق من بناها التحتية شيء ذو بال، فحذار أن تتعاظم الثقة بالنفس لديكم إلى الحد الذي يجعلكم تستهينون بالواقع المر الذي نعيشه، وبالمقتضيات اللازم مراعاتها لإصلاحه .
إن الهدم مهمة ليست صعبة للغاية، وهي أسهل بكثير من البناء إذا أردنا المقارنة، ولاسيما في منطقة معقدة كالتي يربض فيها العراق، تشبه بالقلب الأرضي، وتطفح بالبترول، والثروات الأخرى، وتتطلع إليها دول العالم من كل مكان.
وبالتالي لا يستطيع أي قادم على سدة الحكم في هذا البلد أن يتجاهل المحيط من حوله، أو الوضع الدولي القائم في عصره.
انه من جهة سيكون بأمس الحاجة إلى تعاون ودعم من محيطه، لضمان توفير فرص النجاح، وبالتالي ليس من الحكمة تجاهل هذا المحيط، على الرغم من وهنه، وكثرة الملاحظات عليه، لأنه ـ شئنا أم أبينا ـ عالمنا، ونحن جزء منه.
ومن جهة أخرى فان الوضع الدولي القائم، ما لم يتم التعامل معه بطريقة مناسبة، فسيكون هو الآخر عقبة كأداء في طريقه، تحول كذلك بينه وبين نجاح مشروعه، فثمة إذن واقع وطموح، ولن يتحقق طموح من غير مراعاة للواقع.
إن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فانه حين أسس دولة المدينة لم يتجاهل جيرانه، وأحسن السياسة معهم، كما أن الدولة التي أنشأها لم تبتدىء بمناطحة فارس والروم، وهما قوتان عظميان آنذاك، وكان عليه الصلاة والسلام يتبع سنة التدرج في السياسة الخارجية،على غرار المنهج القرآني في التشريع.
قال الله سبحانه : ((لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )) آية 21/الأحزاب
ثالثا: المقاومة وحدها لا تستطيع أن تبني دولة، وهذا لا يقدح في كفاءتها، فهي جزء من كل، والدولة إنما تقوم بالكل .
إن مرافق الحياة كثيرة، وتوفير الأمن والأمان والعدل والرخاء للمجتمع يفتقر إلى جيوش من الكفاءات، وأصحاب الخبرات في شتى الميادين.
وليس كل من حمل السلاح يصلح لإدارة دولة،فـ (كل ميسر لماخلق له ) كما اخبرنا بذلك سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام(7112) البخاري .
وهذا يضعكم أمام أمرين:
الأول: أن تعملوا على كسب ثقة جميع المخلصين والشرفاء من كل أبناء الشعب على اختلاف طوائفهم، وأعراقهم، وأديانهم، وتمدوا الجسور معهم، لتضمنوا تفاعلهم معكم، ومشاركتهم لكم في بناء البلد، فالخبرات والكفاءات موزعة فيهم.
ولاسيما كفاءات السلك العسكري وقوى الأمن الأخرى، الذين لم يتورطوا في جرائم وخيانات بحق بلادهم، فهؤلاء رصيد لا غنى لكم عنهم، وجهودكم من دونهم في البناء الأمني على مستوى الدفاع الداخلي والخارجي لن ترقى ـ مع كثرة التحديات ـ إلى مستوى النجاح المطلوب.
الثاني : لابد أن تنبهوا إخوانكم في الجهاد انه ليس كل من حمل السلاح في وجه العدو قادر على أن يتسلم شأنا من شؤون الدولة، سياسيا كان أم عسكريا أم مدنيا، فقد يكون أحدهم ـ على سبيل المثال ـ قائد فصيل في المقاومة، ذا بلاء حسن في الميدان، لكنه حين تبنى مؤسسات الدولة لا يصلح أن يكون في موقع عسكري متقدم، أو لا يملك من المؤهلات التي تجعله كفأ لهذا المنصب أو ذاك بحسب السياقات المتعارف عليها في هذه السبيل، وإذا كان ذلك كذلك رغم فعاليته في الميدان، فمن باب أولى أن ينجر ذلك إلى مفهوم العمل السياسي أو المدني .
وغرضنا من هذا التنبيه أن يكون أبناء الجهاد المقاوم مستعدين لقبول مواقعهم الطبيعية في الدولة القادمة، التي تتلاءم مع إمكاناتهم الذاتية ،وكفاءاتهم ،دون أن يكون لفعلهم المقاوم أثر في إسناد مهام إليهم لا يتقنونها، أو ليسو بكفء لها، مع مراعاة أن لهم على الأمة حق أن يمنحوا الأولوية في أي موقع يتقدمون إليه حين تتساوى الفرص، وتتوافر الكفاءة.
رابعا: يفترض لضمان نجاح المشروع السياسي الذي يقع اختياركم عليه، أن يكون له نموذج تم تطبيقه، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيه على نحو تجريبي، أوتكون لديكم نماذج عديدة قابلة للإنتفاع منها، والتعويل على تجربتها، لأن اعتماد نموذج نظري لم يسبق له أن امتحن على أرض الواقع، فيه مجازفة كبيرة، إذ أن نسبة تعرضه للفشل ـ مع التحديات التي ستواجهه وضيق الوقت المتاح له ـ ستكون مرتفعة للغاية، وهذا سيجعل أبناء البلد يحبطون إزاءه، ويعزفون عن اعتماده مرة أخرى.
إن الفشل في هذه المرحلة الحساسة غير مقبول، لأنه سيضيع الجهود التي بذلت في سبيل التحرير، وسيمنح الفرصة لعودة من يريد لهم المحتل تسلم مقاليد الأمور في البلاد،على انهم الأكفأ ،وأن لديهم تجارب ناجحة في إدارة البلاد.
ومع قيام تجربة لكم ـ مثل هذه ـ تمنى بالفشل، ومع الدعم غير المحدود الذي سيتوافر لأولئك من قبل الدول العظمى، وربما المحيطة أيضا، سيستقر الماء في الكأس على هذا الوضع الأخير،وسينتهي الرصيد الشعبي لمشروعكم بما لا يتيح له فرصة العودة مرة أخرى لعقود من الزمن.
إن هذه السبل لا مندوحة عنها ـ في تقديرنا ـ إذا ما أراد أهل الجهاد أن يجنوا ثمار جهادهم، ويوصلوا شعبهم الصابر بر الأمان، ويفوتوا ـ في الوقت ذاته ـ على عدوهم فرص الاستغلال، وقطف الثمار.
وفي كل الأحوال،فاننا نرى إن ثمة ضرورة لتلجئوا إلى فقهاء السياسة الشرعية من الثقاة، للتشاور معهم في مثل هذه القضايا المصيرية .
وأخيرا وليس آخرا
نوصيكم خيرا بهذا الشعب من شماله إلى جنوبه،وبكل أطيافه وطوائفه، وإنكم أهل لذلك، ولكنها التذكرة التي ينفع تكرارها، ولا يضر سماعها، فهذا الشعب اثبت انه على رأس الشعوب المتحضرة، وأنه الأكثر وعيا، والأنضج قيما وأخلاقا، فقد تسامى على الجراح على نحو مثير للإعجاب، وتجاوز ـ حتى اللحظة ـ أفخاخ تمزيقه طائفيا وعرقيا على الرغم من قسوتها ،وتحلى بأعظم صور الصبر على الظلم والإيذاء.
تأملوا في هذه الأيام كيف يستغل أبناؤه من كل الأطياف أية مناسبة تتيسر لهم ،ليعربوا عن رفضهم للاحتلال ومشاريعه، ويعلنوا نقمتهم على الحكومة الحالية صنيعته، إعلانا يصل حد الاستهزاء بها، وكشف فضائحها وجرائمها، ومطالبتها بالتنحي عن مواقعها، متجاوزين أن يكون للاعتبارات الطائفية والعرقية أي أثر في صياغة مواقفهم منها .
إننا بهذا الصدد نستذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( ..واهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ،ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال) (2865)رواه مسلم
فضعوا في أولوياتكم بعد إعلاء كلمة الله ،هدف إسعاد هذا الشعب، وتوفير العيش الرغيد له، وجعله في مقدمة الشعوب تطورا وازدهارا،وتعويضه عن سني الأذى والظلم والحرمان التي طالته عقودا،وبلغت ذروتها في زمن الاحتلال، وتجنبوا في الميدان أن يتعرض أبناؤه لأذى المحتل وعملائه، أو لأذى غير مقصود منكم،تسببه تقديرات خاطئة من قبلكم في الميدان، وإننا نعد من يحجم عن عملية قتالية يحصد فيها عددا من المحتلين مخافة أن يصيب فيها بريئا واحدا من أبناء هذا الشعب، لمن أرباب الجهاد الميمون، الذي يعقد الله سبحانه بناصيته الخير، ويجري على يديه النصر، فابذلوا في هذه السبيل ما استطعتم من جهد، ولا تسمحوا للسآمة أن تتسلل إلى نفوسكم، لأن فقدان كل واحد منهم خسارة كبرى ،لا نريد أن يكون احد منكم طرفا فيها، حتى وان لم يكن يقصد ذلك .
وفقكم الله لإعلاء كلمته،ونصرة دينه.
اللهم ثبت أقدام أبنائنا واخواننا المجاهدين وسدد رميهم.
اللهم ارفع بالمجاهدين رأس العراق وشعب العراق والعالم الإسلامي عاليا.
اللهم نكس بهم رايات الكفر والنفاق، واخذل بهم حملة هذه الرايات وأنصارها
اللهم ارزقنا وإياهم إحدى الحسنيين،وجنبنا وإياهم السقوط في الفتن،ما ظهر منها وما بطن،واجعلنا واياهم ممن اصطفيتهم بقولك ((ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون )) آية56 /المائدة
آمين ..آمين..
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه اجمعين
والحمد لله رب العالمين
الامانة العامة
لهيئة علماء المسلمين في العراق
23/شعبان/1428هـ
5/ايلول/2007م
رسالة هيئة علماء المسلمين الى المجاهدين في العراق
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة مفتوحة
من هيئة علماء المسلمين في العراق
إلى أبنائنا وإخواننا المجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق
((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))7/سورة محمد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آلـــه وصحبـه أجمعين
وبعد:
فإننا نخاطب في هذه الرسالة المفتوحة من كنا ننتظر الفرصة المناسبة لمخاطبتهم، ويحدونا الشوق للحديث معهم، فهم قرة العين، وتاج الرأس، ودرة البلاد..
نخاطب من كانوا للدين الذي ارتضاه الله لنا، وأعلى به قدرنا، جنوداً أوفياء، وكانوا للبلد الطيب الذي أقامنا الله فيه أبناء بررة، فهم حماة الأرض والعرض.
يا من غسلتم عنا عار احتلال بغداد، ويا من رفعتم رؤوسنا عاليا، ويا من لقنتم أعداء الدين والإنسانية دروساً في التضحية والفداء، والصبر على البأس، لن ينسوها عبر التاريخ .
لقد تجلى فيكم قبس من معاني قول الله عز وجل ((..فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )) من آية 54/المائدة
يا أبناءنا ويا إخواننا الصابرين المحتسبين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
منذ بداية الاحتلال ومع انطلاقة جهادكم المبارك، كنا ندرك ثقل المهمة التي قررتم حملها على عاتقكم، فأنتم في صراع مع دولة عظمى، غزت قبلنا دولا عديدة، وتمتلك من الخبرات في تأسيس حكومات على أمزجتها، واحتواء ما يبدو من مقاومة لها، وأموال توظف لخدمة أهدافها، ما لا يملكه احد في العالم.
كان المحتل قد أعد لكل شيء عدته، فاصطحب معه آلافاً من الشركات الأمنية وفرق الموت، وجيشاً من الساسة والعملاء، لتوظيفهم في سبيل دعم قواته العسكرية البرية والجوية والبحرية، وعدتها المتفوقة بكل المعايير، من اجل الوصول إلى هدفه في احتلال العالم الإسلامي في عقر داره، فضلا عن آلته الإعلامية الضخمة التي لم تنقطع منذ أمد طويل قبل الاحتلال وحتى اللحظة من اجل تهيئة العالم للقبول بالوضع الجديد على أرض العراق.
أدركنا في هيئة علماء المسلمين خطورة الحدث، فبدأنا طريقنا، بتعبئة الناس ضد الاحتلال، وإحياء مفاهيم الجهاد وقيم المقاومة في النفوس.
وليس سرا القول: إننا كنا وراء الإعداد والتخطيط والحشد،وضمن دائرة المشاركة ،في التظاهرة الأولى التي قادها علماء الشريعة ضد الاحتلال في العاصمة بغداد، وفي قلبها النابض : الأعظمية، في الجمعة الثانية بعد الاحتلال بتاريخ 16 /صفر /1424هـ الموافق 18 /4 / 2003م، وكذلك في مدينة الفلوجة المباركة التي قادها العلماء أيضا بتاريخ 28/صفر/1424هـ الموافق30/4/2003م ، وسقط فيها عدد من الشهداء، وكانت الجذوة التي انطلق منها الجهاد في تلك الديار .
أما أبناء شعبنا، فحالهم آنذاك يرثى لها، فقد أصيبوا بما يشبه الدوار، ونالت منهم الصدمة كل منال، ولم يكن يخطر في بال أحدهم أن يرى يوما ما على أرضه دبابة أمريكية، أو جنديا محتلا.
كما أن المسلسل التخريبي لبلادهم الذي أعقب احتلال بغداد، وأتقن المحتل فصوله، والذي طال مؤسساتهم، ومعالم مدنهم، على أيدي مخربين، وبعض الغوغاء من أبناء بلدهم ـ عبدت لهم الطريق إلى هذا التخريب بخبث ودهاء ـ جعلهم في حيرة من أمرهم .
وزاد الطين بلة أن جزءا منهم، طلبت منهم مراجع لهم يثقون فيها التزام الحياد، وإمهال قوات الاحتلال شهورا، قبل حمل أي سلاح في وجوههم، وخلال هذه الشهور تمكن الاحتلال من مناطقهم ، وانتشرت الأجهزة الأمنية والميليشيات في مدنهم، وتمت السيطرة عليهم على نحو ضيق عليهم فرص الجهاد والمقاومة، وجزءا آخر منهم كان خاضعا لهيمنة أحزاب مستبدة تمكنت لعقد مضى من الانفراد به، وإحكام السيطرة عليه، واستغلال مظلمته للابتعاد عن هذا الشرف العظيم ، مما جعل فرص المقاومة بالنسبة له أكثر ضيقا من الأولين .
وعلى الرغم من ذلك، كان لكل جزء منهما، نشاطات مقاومة هنا وهناك، لكنها ـ على العموم ـ أشبه بالمبادرات المحدودة، تقف وراءها دوافع شتى، ومع ذلك يلزمنا ـ إذا أردنا الحفاظ على وحدة العراق ـ أن نعمل على إنمائها، وتصحيح مسارها، ودعمها بالموقف والكلمة.
أما انتم أيها الأسود الأشاوس فقد مَنَّ الله عليكم منذ بدء الاحتلال لتكونوا أصحاب زمام المبادرة في الجهاد والمقاومة، وفي طليعة هذا الركب الميمون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وهو أمر يستلزم الشكر لله سبحانه، ،والتواضع ،والشعور بالمسؤولية، ليس إلا.
وكان الله في عونكم ..فالمهمة التي وطنتم أنفسكم لها صعبة للغاية، والتحديات التي كانت ـ ومازالت ـ تعترض سبيلكم كبيرة، والمعركة في الميدان ضروس، والتخذيل والإرجاف محيط بكم كما يحيط السوار بالمعصم .
تبذلون نفوسكم رخيصة في سبيل الله ،وتنفقون أموالكم ومقتنياتكم ،وتفارقون أهليكم وأبناءكم ،من اجل إعلاء كلمته ،وتحرير الأرض والعرض من الغاصبين ،وبدل أن توجه إليكم كلمات الدعم والتأييد من الجميع، ينهال المرجفون عليكم بشتى التهم، ويتآمر عليكم المبطلون بشتى الوسائل.
قوات الاحتلال وأجهزتها السرية ضدكم، والحكومة وأجهزتها العسكرية والأمنية والإعلامية ضدكم، والميليشيات الطائفية ضدكم، وبعض دول الجوار ضدكم، وبعض أبناء جلدتكم ضدكم، ولكنكم ـ بفضل الله ـ صامدون لم تفتر لكم عزيمة، ولم يلن لكم جانب، وماضون في تسديد الضربات الموجعة للعدو..حتى طفق الترنح والدوار ينالان منه، ويقربانه من الهزيمة، من دون أن ينال الإرجاف من عزمكم، وهذا ـ لعمر الله ـ شأن الرجال الذين قال الله سبحانه فيهم ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..))من آية23/الأحزاب
أيها الأبطال الأشداء:
لا يشغلن بالكم ما يظهره المحتل من جلادة، وما يطلقه من مزاعم للبقاء طويلا ، فهذه مظاهر كاذبة، قوامها التمويه، والتسلي بالأماني، والحقيقة انه في ظرف مرٍ، وواقع أليم، فخيبة الأمل تملأ جوفه، والرعب يسكن جوانحه، والموت يأتيه من كل جانب وما هو بميت، وهو اليوم ليس له من هم سوى البحث عن وسيلة تيسر له الفرار بأقل قدر من الخسائر،فلم يعد يحتمل منها المزيد.
فاستعدوا للحظة النصر، التي تحبونها ((...نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ...))من آية13/سورة الصف..
ولكن ..وهنا نلفت نظركم الكريم إلى قضية مهمة، وهي: ان حركات الجهاد والمقاومة في عالمنا الإسلامي كثيراً ما تنجح في تحقيق النصر على أعدائها، بيد أنها ـ في الغالب ـ تفشل في التمكين لأهدافها بعد الصراع ..فهل حسبتم لذلك حسابا؟.
هذا السؤال مهم للغاية، وقد آن الأوان لتضعوه نصب أعينكم.
دائماً كنا نقول لمن يشكو ما ينزل على العراقيين من البلاء، إن هذا زائل حتما، فوجود الاحتلال في أرضنا من شأنه أن يوحد الجهود، ويفضي بالمحصلة إلى التحرير، ولكن السؤال الصعب ـ هكذا كنا نقول له ـ ماذا بعد ؟ ماذا بعد خروج المحتل ؟!
إن الخوف من المجهول يكمن هنا ..والقلق يرد من هذا الموطن!
وما لم تفكروا في تلك المرحلة من الآن ،وتعدوا لها العدة ،وتبكروا في الاتفاق عليها ،فقد تفاجؤون بحصاد مر، يجعل شعبنا يحن إلى مثل هذه الأيام، على الرغم من مرارتها، إذا ما واجه أياما أكثر مرارة، لا من حيث وجود الاحتلال، ولكن من حيث حصول الفرقة والاختصام ، والتردي في جوانب الحياة كافة، تماما كما تلاحظون هذا الشعب بدأ يحن إلى أيام النظام السابق ،على الرغم من أنها لم تكن أيام سلام ورفاه.
إذا لم تفعلوا ما تقتضيه المعالجة منكم لتلك المرحلة، فإن ثمة عدة مآلات ستنتهي إليها الأحوال،عليكم التفكير فيها بجدية، وعدم إهمالها، ومنها مآلان، هما في غاية الخطورة :
الأول: أن يقطف ثمرة الجهاد والمقاومة غير أصحابها الشرعيين.
إن المحتل قد يخرج من الباب بفعل الجهاد والمقاومة، لكنه من الممكن أن يعود من الشباك بفعل من سيخلفه في إدارة البلاد، وهو من دون شك حين يقرر المغادرة، يهيئ البديل، والبديل الذي يقع عليه اختيار المحتل يكون عميلا لا محالة، ليحقق لأسياده ،ما عجزوا عن تحقيقه بأنفسهم من خلال الحرب..
ومن دون شك فان العميل القادم إذا تسلم السلطة فستكون من أولوياته ضرب عناصر الجهاد والمقاومة، وتصفية هذا التوجه الحيوي لها في رفض المحتل، ولعموم أبناء الشعب.
وهاهو ذا المحتل ـ اليوم ـ على أبواب لعبة سياسية جديدة، يحاول من خلالها استبعاد وجوه، وتقريب أخرى، في حركة يائسة منه، لتحقيق شيء مما عجز عن تحقيقه طيلة الفترة الماضية.
فالحذر الحذر من إن تفتنكم بهذا الصدد عروض، قال الله تعالى ((أم حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولارسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون )) آية 16/التوبة
الثاني:الاقتتال بين الفصائل.
وهذا احتمال وارد للغاية، إذا لم يكن للفصائل برنامج موحد.
لا ينبغي أن ننسى تجربة المجاهدين الأفغان، وهذا لو حدث ـ نسأل الله السلامة ـ فإن تداعياته ستكون جسيمة للغاية ..
فمن جهة ستفقد الأمة الثقة بأبنائها، وربما يتطور الأمر إلى اهتزاز الثقة بأمردينها.
لنسأل أنفسنا كم أحبطنا عندما تحول الجهاد الأفغاني إلى اقتتال داخلي في مرحلة ما بعد تحرير أفغانستان ؟!!.
هذا يمكن أن يتكرر ـ وعلى نحو أشد ـ إذا تكرر الخطأ في العراق!!.
فالعراق ليس متطرفا في المكان الجغرافي مثل أفغانستان، والمعركة فيه حظيت بتغطية إعلامية أكثر بما لا يقاس مما حظيت به المعركة الأفغانية، وبالتالي فإن التفاصيل التي ستعقب الانتصار، سيطلع عليها الجميع،وعلى نحو أكثر سعة وشمولا، فإذا كانت ـ حينها ـ محبطة ،وكاشفة عن نزاع داخلي،وصراع دموي، فمن الممكن ـ والحالة هذه ـ أن ينقلب أهل الجهاد في نظر الناس من حماة للبلاد، يفتخر الناس ببطولاتهم إلى محاربين هواة، غايتهم الاستحواذ على السلطة، وبناء مجد لهم على الجماجم والدماء.
ولا ننسى أن المحتل انفق كثيرا من الأموال والجهود في سبيل شق صف المقاومين المجاهدين، ولم ييأس بعد.
ولا نكتمكم القول: إن ثمة بوادر مقلقة بهذا الشأن ـ للأسف الشديد ـ تأتي بمثابة طوق نجاة للعدو، ففي الوقت الذي يبدو فيه الرئيس الأمريكي أحوج ما يكون إلى إقناع الكونغرس الأمريكي والشعب الأمريكي ودول العالم بضرورة بقاء قواته في العراق، تلوح في الأفق مثل هذه البوادر المقلقة .
إن نزاعا من هذا القبيل سيكون ـ حتما ـ طوق النجاة المنشود بالنسبة له، سيقول الرئيس الأمريكي لمعارضيه: لقد نجحنا في معركتنا مع أعدائنا، فالانشقاق طفق يدب في صفوفهم، امنحونا بعض الوقت ،لننهي وجودهم !!.
قال الله تعالى ((ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)) من آية 217/البقرة
لذا نصيحتنا لكم ألا تقعوا في هذا الفخ، وقد من الله عليكم بتجاوزه سنوات،لاسيما أنكم على أبواب النصر العظيم بإذن الله.
يجب أن تعملوا على احتواء أي خلاف بينكم بسرعة البرق ،وان تتساموا على الجراح ،وان اقتضى ذلك أن تتجرعوا شيئا من المرارة،لان الهزيمة أمام المحتل بعد كل هذه التضحيات ، ستكون بمنزلة السم الذي سيصيب منا جميعا مقتلا واحدا.
قال الله تعالى ((ياأيها الذين آمنوااذالقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون .واطيعوا الله ورسوله ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) )الآيتان 45 ـ 46/الانفال
إن التوتر الملحوظ هذه الأيام في العمل الجهادي بين الفصائل ،متوقع وليس مفاجئا ،وله أسباب ،منها :أن المحتل ـ وقد قرر الخروج من العراق ـ لا يريد أن يخلفه مشروع جهادي ناجح، بل يسعى بما يملك من مكر ودهاء إلى دس بذور الفتنة بين الفصائل، إلى الحد الذي يبدون فيه أمام الناس أصحاب أهواء وأطماع ليس إلا .
ومع حجم الأموال التي أنفقها المحتل في هذه السبيل، وإحداث الاختراقات في بعض الصفوف، وما جبلت عليه بعض النفوس من ضعف، وما يعتريها أحيانا من أثرة وأنانية، فإننا كنا نتوقع مثل هذا التوتر، وأحيانا الصراع.
وفي كل الأحوال يجب أن تتذكروا أن الله سبحانه لن يبارك يدا ـ تقول إنها مجاهدة ـ تمتد لتريق دم مجاهد آخر، أو تصده عن المضي قدما في سبيله، أو تسعى لاستغلال جهاده لمآرب من شأنها بث الفرقة في الصفوف، وإضعاف حال الجهاد.
ويجب أن تتذكرواـ في الوقت ذاته ـ ان الذي لا يُقبل ـ تحت أية ذريعة ـ هو الاستعانة بالكافر المحتل على أخ لكم في الطريق ،مهما فحش خطؤه ،فهذا الداء الذي لا دواء له ،والعلة القاصمة للظهور،التي تأتي الهزيمة من قبلها.. فإياكم وإياكم..
قال سبحانه ((ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين. وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم ايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم )) الآيتان 100ـ 101/آل عمران
ومن جهة أخرى إذا حدث مثل هذا النزاع ـ عافانا الله وإياكم ـ فإننا سنمنى بخسارة معنوية فادحة، تتجلى في فقداننا الإحساس بنشوة النصر العظيم في معركة فاصلة ـ كهذه ـ يندر وقوعها عبر التاريخ، وهذا يجر إلى أن نفقد الرصيد التربوي والأخلاقي الذي يمكن أن نحصل عليه جراء النصر في هذه المعركة ،والذي نعول عليه في تربية أجيالنا القادمة على الثقة بالنفس ،والاعتزاز بالتاريخ، والتحلي بروح المثابرة والإقدام .
نحن إلى اليوم نربي أجيالنا على بطولات الصحابة الأجلاء، وآل البيت الأطهار، أمثال سادتنا عمر الفاروق وعلي الكرار وجعفر الطيار،وسيف الله خالد بن الوليد ،وبطل القادسية سعد ابن أبي وقاص وغيرهم رضي الله عنهم جميعا، فنروي قصصهم في الجهاد والفداء، للصغير والكبير، والنساء والرجال، فنشحذ الهمم، ونشد القلوب نحو السماء .
ويجب الإقرار ـ من غير مجاملة ـ بان ما قدمه المجاهدون المقاومون من بطولات في معركتنا هذه لا يقل شأنا عما قدمه الجيل الأول، وإذا انتهت الأمور على خير، ولم ينزلق أهل الجهاد في الفتنة، فان أبناء هذا البلد،والمسلمين بشكل عام سيظلون يستذكرون هذه البطولات بكثير من الفخر والاعتزاز حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، يستمدون منها العزم، ويستنبطون من قصصها دروسا عظيمة في التربية والسلوك، يتعاهدون أبناءهم عليها، ويغذون أجيالهم بمعانيها، وهذا ـ في تقديرنا ـ ما يسعى العدو إلى تفويت خيره علينا.
وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى التنويه بالحل الذي يقيكم الوقوع في مثل هذه الفخاخ، والذي ينبغي ـ في تقديرنا ـ أن يتخذ على عجل، وقبل فوات الأوان، ويتلخص في ضرورة العمل بشكل جماعي متناغم على تشكيل رؤية متفقة في تحديد معالم المستقبل للعراق، وأن يعلم كل فصيل انه لوحده لن يكون قادرا على رسم هذا المستقبل، والانفراد بصياغته على أرض الواقع، فالوضع في بلدنا معقد للغاية، ويحتاج الخروج من مأزقه إلى جهود كبيرة، وهذا لن يتأتى إلا بتوحيد القوى، وتركيز العمل، ومن ظن انه لوحده يستطيع أن ينجز هذا العمل فهو واهم للغاية!.
أيها الفضلاء..أيها الأحباب
إن المرحلة التي تمرون بها من الخطورة بمكان، فالمحتلون على وشك الخروج والهزيمة له ـ كما أسلفناـ مقبلة لامحالة ،بحول الله وقوته ، ومثلما امتحنت الإدارة الأمريكية في رسم سياسة ناجحة للبلاد بعد احتلالها له، وفشلت في ذلك فشلا ذريعا لأسباب عديدة، في مقدمتها جهادكم وتضحياتكم، فإنكم ستتعرضون للامتحان ذاته ،وعليكم أن تكونوا بمستوى المسؤولية، وترسموا للبلاد سياسة مستقبلية ناجحة .
وليس الأمر بالهين ،كما قد يخطر في بال بعض من لم يخبر هذا الميدان ،بل إن بينكم وبين الوصول إلى ذلك الهدف عقبات .
فأنتم بحاجة أولا إلى أن تتفقوا على برنامج سياسي موحد، ترسمون من خلاله مستقبل هذا البلد الذي وثق أهله بكم، وعقدوا من أجل الخلاص من المأزق الذي هم فيه آمالا عليكم.
ونؤكد على ضرورة الاتفاق لأنه أول الطريق إلى النجاح.
ونحن حين نتابع أطروحاتكم نجد أن لديكم برامج واضحة ،ولكن هناك خلافا في الرؤية حول ما ينبغي أن يكون عليه مستقبل العراق .
فبعض الفصائل فيكم تتبنى مشروع الخلافة العظمى.
وثمة فصائل تريد للعراق حكما إسلاميا، وتقتصر طموحاتهم على فعل ذلك داخل حدود بلدهم.
وثمة فصائل أخرى تعتمد الخيار الذي يسعى إلى تأسيس دولة مؤسسات حديثة، يكون الإسلام فيها الدين الرسمي للدولة، والمصدر الأساسي للتشريع، ولا يسن قانون يخالف ثوابته، وتكون هذه البداية لتحقيق الطموح.
هذا الخلاف يجب أن يسوى من الآن، وقبل أن يخرج المحتل ،لأن عدم تسويته سيجر أصحابه إلى الاختلاف حتما، ومن ثم الاقتتال الذي حذرنا منه آنفا، ومن قبل حذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (121)رواه البخاري
ونحن في هيئة علماء المسلمين وجهنا نداء عاجلا إلى أبناء الجهاد أن يفكروا بهذا الأمر مليا، وان يستعدوا للحظة يكونون فيها على خط المواجهة مع شعبنا في تحمل المسؤولية، كما طلبنا منهم الحوار المبكر فيما بينهم، وإبداء المرونة بهذا الصدد، لان الاتفاق بين جماعات تمتلك رؤى متباينة يتطلب إبداء تنازلات من جميع الأطراف،نزولا عندما يمليه فقه الواقع ومعطياته، وتحقيقا للمصلحة العامة، التي أوجب الشرع مراعاتها.
ومن اجل خطوة في هذا الاتجاه دعونا إلى توحيد الفصائل ـ منذ شهورـ على مستوى اللقاء والتنسيق في اقل تقدير، ونجد الآن ـ بحمد الله ـ مبادرات في هذا الصدد، ونحن نؤيدها وندعمها ،ونسأل الله سبحانه ان يتم نعمته على المجاهدين في تحقيق ذلك
ويوم يحدث هذا، فسيجد المحتل نفسه مضطرا للتعامل معها بما يحقق الأهداف الكبرى للبلاد ـ مباشرة أو بالواسطة ـ لأنها الجهة التي غدت ـ لتوحدها في الموقف والمشروع ـ قوة كبرى لا يمكن تجاهلها، أو يضطر إلى ترك البلاد لأهلها ،وفي الحالين سيكون بمقدورنا توجيه قافلتنا بالاتجاه الذي نريده، وليس بالاتجاه الذي يريده المحتل لها
ولعل من المناسب التنبيه على أن من الخطأ الفادح أن تتعجل بعض الفصائل بفتح قناة للحوار مع المحتل قبل انجاز هذه الخطوة، كل على حدة، وببرامج مختلفة، فهذا كمين يتقن المحتل نصبه بدهاء، ويحقق له أهدافا كثيرة، منها: شرذمة المقاومة لإضعافها، ودق إسفين بين فصائلها لتبتعد عن اللقاء فيما بينها، ومن ثم تفويت الفرصة عليها لتكون قوة فاعلة ومؤثرة على الأرض، ومنها استدراج الفصائل تحت وعود كاذبة بالتمكين لها من الحكم، وإغراءات خادعة، وربما تشفع بدعم وتمويل أيضا، لتسير ـ من حيث لا تشعرـ في طريق تنفيذ مشاريع للمحتل، عجز هو بنفسه عن تنفيذها، فالحذر من أن يستمال بعضكم ،من قبل أطراف معادية، لتقديم تنازلات تذهب بالدين والدنيا معا.
قال الله تعالى ((ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم خبالا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من افواههم وما تخفي صدورهم اكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون )) آية 118/آل عمران
إن هذه الخديعة الغرض منها إشغال هذا البعض عن هدفه الأساس في الجهاد، واستعماله أداة في إضعاف الآخرين، حتى إذا تمكن منهم، وبقي وحده في الميدان، سهل على العدو شل قواه، ومن ثم الإجهاز عليه.
ولقد أحسن احد الشعراء حين قال:
مخطىء من ظن يوما أن للثعلـب دينـا
ولنا ولكم في تاريخ الاندلس خير شاهد وعبرة لكل معتبر
أيها السادة ..
إذا وصلتم هذه المرحلة، فإننا نذكركم نصحا بما هو آت:
أولا: يجب أن تدركوا حقيقة مهمة للغاية، وهي: أنكم لستم وحدكم من يمثل الشعب العراقي، وأصحاب المشروع الجهادي فيه، مع الإقرار بأنكم قلبه النابض، وفي مقدمته، وأصحاب ركنه الأعظم، لان العمل المقاوم لا يتوقف نجاحه على وجود ثلة مباركة تحمل السلاح ضد العدو فحسب، بل تقف وراء ذلك مجموعة من العوامل، تساهم مجتمعة في إنجاح مثل هذا المشروع العظيم .
ومن ذلك: البيئة الحاضنة للعمل الجهادي المقاوم، التي من دونها يغدو العمل مستحيلا .
وإذن..فكل من سمح لكم بالحركة والتنقل، وممارسة العمل الجهادي المقاوم على أرضه، أو في حيه، أو ضمن حدائقه وبساتينه، أو في أي موطن يعود إليه تملكه، فهو شريك لكم في مشروع الجـهاد والمقاومة.
وتذكروا ان الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم لو لم يجعلوا من بيوتهم وأحيائهم ومزارعهم أرضا لدولة الإسلام، لم تنطلق للمسلمين راية جهاد واحدة.
ومنها: الجهات الممولة لهذا العمل، التي تعد ـ بكل المقاييس ـ عصب الحياة له ،فالمقاوم المجاهد ما لم يجهز بجهاز المعركة من سلاح وذخيرة ووسائط نقل وغير ذلك لن يكون بمقدوره المضي قدما في جهاده، وقد قال نبينا الأكرم محمد عليه الصلاة والسلام: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا ) (2688)البخاري،(1895)مسلم.
وبالتالي فان هذه الجهات هي الأخرى شريكة لكم.
ومنها:القوى السياسية وغير السياسية الرافضة للاحتلال ،والمقاومة لمشاريعه في البلاد، التي نأت بنفسها أن تساهم في أية مرحلة من مراحل الاحتلال في إنجاح المشروع الأمريكي ولم تروج له، والتي ارتفع لها صوت في التنديد بالمحتل وكشف أوراقه، ودعم فعالياتكم في الجهاد، بكلمة في فضائية، أو مذياع ، أو مقال في صحيفة أو على مواقع الانترنت، أو خطاب في ملتقى شعبي أو دولـي ،في سياق يصدق فيه قول المصطفى عليه الصلاة والسلام (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان )(4013)ابن ماجه
هؤلاء جميعا بغض النظر عن انتماءاتهم أو دوافعهم ـ فالنيات يعلمها الله سبحانه ،ونحن مأمورون في الشرع ابتداء باحسان الظن بهم ـ كانوا الصوت المعبر عن جهادكم ومقاومتكم، ولاسيما في بداية المعركة يوم لم يكن لكم حينها صوت ظاهر.
ولقد جهدت قوات الاحتلال من خلال آلتها الإعلامية الضخمة أن تعمل على تقزيم مقاومتكم ،وتشويه صورتها ، والإيحاء بأنها لا تعدو أن تكون فعاليات لشرذمة فقدت مكاسبها بسبب الاحتلال، وليس لديها هدف نبيل، ولكنها ـ بفضل الله ـ باءت بالفشل، ولقد كان لهؤلاء ـ من دون شك ـ دور كبير في ذلك ، فهم شركاء لكم بالضرورة في هذا المشروع.
ومنها: أصحاب الوظائف والأعمال والكفاءات من السلك العسكري والمدني بكل صنوفهما، الذين رفضوا العمل في ظل الاحتلال، والذين يملكون من القدرة والكفاءة ما يمكنهم من العمل في مؤسسات (الدولة) التي أنشأها المحتل، ولكنهم لم يفعلوا، وآثروا البعد، وعدم تقديم أي دعم أو تأييد لمشاريع المحتل، وكان لمقاطعتهم الأثر الكبير في الحيلولة بين المحتل وبين تأسيس دولة تمكنه من البقاء، هم الآخرون شركاء لكم في هذا المشروع .
ومنها: عامة الشعب بكل طوائفه وأعراقه، من الذين لم يتواطئوا مع المحتل، ولا مع عملائه، وصبروا على الظروف الصعبة التي تمر بالبلاد، فمنهم من هاجر وترك طيب مسكنه، وفقد بسبب ذلك عمله أو تجارته، ورضي بالعيش غريبا في غير بلاده، ومنهم من انكفأ في بيته، وأخذ يقتات على ما لديه من مخزون طعام، وينفق من بقية مال عنده، ومنهم من فقد ولده أو زوجه أو أباه أو أمه، ومنهم من فقد بيته، أو مصنعه، بسبب المعركة أو تداعياتها، وغير ذلك مما لا يمكن حصره .
هؤلاء الصابرون المحتسبون الذين لم يظهروا عداء لكم ،ولم يتبرموا من جهادكم ،بل كانوا يدعون لكم بالنصر والثبات، ويصبون جام غضبهم على المحتل وحكومته، هم شركاء لكم في العمل الجهادي المقاوم .
وإذن..حين يكون هؤلاء شركاء لكم جميعا ،فلا يمكنكم ـ وهذا ما قصدنا بيانه من هذا العرض ـ أن تتجاهلوا إرادتهم في رسم مستقبل العراق، وانتم مدعوون إلى التعرف على طموحاتهم، وأطروحاتهم بهذا الصدد، ومطالبون ـ في الوقت ذاته ـ ألا تتجاوزوهم في أي مشروع سياسي قادم، لاسيما أنهم أغلبية، ولابد أن يكون في حسبانكم أن أي مشروع لا يحظى بنسبة تأييد غالبة منهم، لن يكتب له النجاح، وستكون في طريق نجاحه عقبات ومشكلات.
ثانيا: لابد أن تضعوا في عين الاعتبار حال اختياركم أي مشروع سياسي خصوصيات المنطقة، والوضع الدولي القائم ، وتصور ذلك على حقيقته وواقعه، ومراعاته على نحو لايضر بالدين ،هو ـ في تقديرنا ـ جزء من جهادكم .
إن إفشال مشروع احتلال دولة عظمى، وإلحاق الهزيمة به لا يعني إمكانية تشييد دولة لم يبق من بناها التحتية شيء ذو بال، فحذار أن تتعاظم الثقة بالنفس لديكم إلى الحد الذي يجعلكم تستهينون بالواقع المر الذي نعيشه، وبالمقتضيات اللازم مراعاتها لإصلاحه .
إن الهدم مهمة ليست صعبة للغاية، وهي أسهل بكثير من البناء إذا أردنا المقارنة، ولاسيما في منطقة معقدة كالتي يربض فيها العراق، تشبه بالقلب الأرضي، وتطفح بالبترول، والثروات الأخرى، وتتطلع إليها دول العالم من كل مكان.
وبالتالي لا يستطيع أي قادم على سدة الحكم في هذا البلد أن يتجاهل المحيط من حوله، أو الوضع الدولي القائم في عصره.
انه من جهة سيكون بأمس الحاجة إلى تعاون ودعم من محيطه، لضمان توفير فرص النجاح، وبالتالي ليس من الحكمة تجاهل هذا المحيط، على الرغم من وهنه، وكثرة الملاحظات عليه، لأنه ـ شئنا أم أبينا ـ عالمنا، ونحن جزء منه.
ومن جهة أخرى فان الوضع الدولي القائم، ما لم يتم التعامل معه بطريقة مناسبة، فسيكون هو الآخر عقبة كأداء في طريقه، تحول كذلك بينه وبين نجاح مشروعه، فثمة إذن واقع وطموح، ولن يتحقق طموح من غير مراعاة للواقع.
إن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فانه حين أسس دولة المدينة لم يتجاهل جيرانه، وأحسن السياسة معهم، كما أن الدولة التي أنشأها لم تبتدىء بمناطحة فارس والروم، وهما قوتان عظميان آنذاك، وكان عليه الصلاة والسلام يتبع سنة التدرج في السياسة الخارجية،على غرار المنهج القرآني في التشريع.
قال الله سبحانه : ((لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )) آية 21/الأحزاب
ثالثا: المقاومة وحدها لا تستطيع أن تبني دولة، وهذا لا يقدح في كفاءتها، فهي جزء من كل، والدولة إنما تقوم بالكل .
إن مرافق الحياة كثيرة، وتوفير الأمن والأمان والعدل والرخاء للمجتمع يفتقر إلى جيوش من الكفاءات، وأصحاب الخبرات في شتى الميادين.
وليس كل من حمل السلاح يصلح لإدارة دولة،فـ (كل ميسر لماخلق له ) كما اخبرنا بذلك سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام(7112) البخاري .
وهذا يضعكم أمام أمرين:
الأول: أن تعملوا على كسب ثقة جميع المخلصين والشرفاء من كل أبناء الشعب على اختلاف طوائفهم، وأعراقهم، وأديانهم، وتمدوا الجسور معهم، لتضمنوا تفاعلهم معكم، ومشاركتهم لكم في بناء البلد، فالخبرات والكفاءات موزعة فيهم.
ولاسيما كفاءات السلك العسكري وقوى الأمن الأخرى، الذين لم يتورطوا في جرائم وخيانات بحق بلادهم، فهؤلاء رصيد لا غنى لكم عنهم، وجهودكم من دونهم في البناء الأمني على مستوى الدفاع الداخلي والخارجي لن ترقى ـ مع كثرة التحديات ـ إلى مستوى النجاح المطلوب.
الثاني : لابد أن تنبهوا إخوانكم في الجهاد انه ليس كل من حمل السلاح في وجه العدو قادر على أن يتسلم شأنا من شؤون الدولة، سياسيا كان أم عسكريا أم مدنيا، فقد يكون أحدهم ـ على سبيل المثال ـ قائد فصيل في المقاومة، ذا بلاء حسن في الميدان، لكنه حين تبنى مؤسسات الدولة لا يصلح أن يكون في موقع عسكري متقدم، أو لا يملك من المؤهلات التي تجعله كفأ لهذا المنصب أو ذاك بحسب السياقات المتعارف عليها في هذه السبيل، وإذا كان ذلك كذلك رغم فعاليته في الميدان، فمن باب أولى أن ينجر ذلك إلى مفهوم العمل السياسي أو المدني .
وغرضنا من هذا التنبيه أن يكون أبناء الجهاد المقاوم مستعدين لقبول مواقعهم الطبيعية في الدولة القادمة، التي تتلاءم مع إمكاناتهم الذاتية ،وكفاءاتهم ،دون أن يكون لفعلهم المقاوم أثر في إسناد مهام إليهم لا يتقنونها، أو ليسو بكفء لها، مع مراعاة أن لهم على الأمة حق أن يمنحوا الأولوية في أي موقع يتقدمون إليه حين تتساوى الفرص، وتتوافر الكفاءة.
رابعا: يفترض لضمان نجاح المشروع السياسي الذي يقع اختياركم عليه، أن يكون له نموذج تم تطبيقه، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيه على نحو تجريبي، أوتكون لديكم نماذج عديدة قابلة للإنتفاع منها، والتعويل على تجربتها، لأن اعتماد نموذج نظري لم يسبق له أن امتحن على أرض الواقع، فيه مجازفة كبيرة، إذ أن نسبة تعرضه للفشل ـ مع التحديات التي ستواجهه وضيق الوقت المتاح له ـ ستكون مرتفعة للغاية، وهذا سيجعل أبناء البلد يحبطون إزاءه، ويعزفون عن اعتماده مرة أخرى.
إن الفشل في هذه المرحلة الحساسة غير مقبول، لأنه سيضيع الجهود التي بذلت في سبيل التحرير، وسيمنح الفرصة لعودة من يريد لهم المحتل تسلم مقاليد الأمور في البلاد،على انهم الأكفأ ،وأن لديهم تجارب ناجحة في إدارة البلاد.
ومع قيام تجربة لكم ـ مثل هذه ـ تمنى بالفشل، ومع الدعم غير المحدود الذي سيتوافر لأولئك من قبل الدول العظمى، وربما المحيطة أيضا، سيستقر الماء في الكأس على هذا الوضع الأخير،وسينتهي الرصيد الشعبي لمشروعكم بما لا يتيح له فرصة العودة مرة أخرى لعقود من الزمن.
إن هذه السبل لا مندوحة عنها ـ في تقديرنا ـ إذا ما أراد أهل الجهاد أن يجنوا ثمار جهادهم، ويوصلوا شعبهم الصابر بر الأمان، ويفوتوا ـ في الوقت ذاته ـ على عدوهم فرص الاستغلال، وقطف الثمار.
وفي كل الأحوال،فاننا نرى إن ثمة ضرورة لتلجئوا إلى فقهاء السياسة الشرعية من الثقاة، للتشاور معهم في مثل هذه القضايا المصيرية .
وأخيرا وليس آخرا
نوصيكم خيرا بهذا الشعب من شماله إلى جنوبه،وبكل أطيافه وطوائفه، وإنكم أهل لذلك، ولكنها التذكرة التي ينفع تكرارها، ولا يضر سماعها، فهذا الشعب اثبت انه على رأس الشعوب المتحضرة، وأنه الأكثر وعيا، والأنضج قيما وأخلاقا، فقد تسامى على الجراح على نحو مثير للإعجاب، وتجاوز ـ حتى اللحظة ـ أفخاخ تمزيقه طائفيا وعرقيا على الرغم من قسوتها ،وتحلى بأعظم صور الصبر على الظلم والإيذاء.
تأملوا في هذه الأيام كيف يستغل أبناؤه من كل الأطياف أية مناسبة تتيسر لهم ،ليعربوا عن رفضهم للاحتلال ومشاريعه، ويعلنوا نقمتهم على الحكومة الحالية صنيعته، إعلانا يصل حد الاستهزاء بها، وكشف فضائحها وجرائمها، ومطالبتها بالتنحي عن مواقعها، متجاوزين أن يكون للاعتبارات الطائفية والعرقية أي أثر في صياغة مواقفهم منها .
إننا بهذا الصدد نستذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( ..واهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ،ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال) (2865)رواه مسلم
فضعوا في أولوياتكم بعد إعلاء كلمة الله ،هدف إسعاد هذا الشعب، وتوفير العيش الرغيد له، وجعله في مقدمة الشعوب تطورا وازدهارا،وتعويضه عن سني الأذى والظلم والحرمان التي طالته عقودا،وبلغت ذروتها في زمن الاحتلال، وتجنبوا في الميدان أن يتعرض أبناؤه لأذى المحتل وعملائه، أو لأذى غير مقصود منكم،تسببه تقديرات خاطئة من قبلكم في الميدان، وإننا نعد من يحجم عن عملية قتالية يحصد فيها عددا من المحتلين مخافة أن يصيب فيها بريئا واحدا من أبناء هذا الشعب، لمن أرباب الجهاد الميمون، الذي يعقد الله سبحانه بناصيته الخير، ويجري على يديه النصر، فابذلوا في هذه السبيل ما استطعتم من جهد، ولا تسمحوا للسآمة أن تتسلل إلى نفوسكم، لأن فقدان كل واحد منهم خسارة كبرى ،لا نريد أن يكون احد منكم طرفا فيها، حتى وان لم يكن يقصد ذلك .
وفقكم الله لإعلاء كلمته،ونصرة دينه.
اللهم ثبت أقدام أبنائنا واخواننا المجاهدين وسدد رميهم.
اللهم ارفع بالمجاهدين رأس العراق وشعب العراق والعالم الإسلامي عاليا.
اللهم نكس بهم رايات الكفر والنفاق، واخذل بهم حملة هذه الرايات وأنصارها
اللهم ارزقنا وإياهم إحدى الحسنيين،وجنبنا وإياهم السقوط في الفتن،ما ظهر منها وما بطن،واجعلنا واياهم ممن اصطفيتهم بقولك ((ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون )) آية56 /المائدة
آمين ..آمين..
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه اجمعين
والحمد لله رب العالمين
الامانة العامة
لهيئة علماء المسلمين في العراق
23/شعبان/1428هـ
5/ايلول/2007م