رشا الشيخلي
02-02-2009, 01:39 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهــــ
من حلقات برنامج طريق الهداية
للدكتور محمد هداية
والذي يبث على قناة دريم 2 الفضائية
عنوان الحلقة: الجنة ونعيمها
تقديم علاء بسيوني
نعيم الجنة خالد وأفضل نعيم الجنة رؤية الله عز وجلّ. قال تعالى في سورة هود (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)) الآيات في الجنة ذكرت خالدين فيها وفي آيات أخرى ذكرت خالدين فيها أبداً ما الفرق بينهما؟ وما دلالة الاستثناء في قوله تعالى (ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك)؟
هذا التصور يجب أن نحيط به كله ولا نقف عند ملمح واحد فقط. نأخذ المشهد في سورة هود من الآية 103 (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)) يتكلم تعالى عن يوم البعث والحساب ويذكر فيها صنفي البشر شقي وسعيد والكلام في هذا يحتاج إلى تدبر في كتاب الله من سورة الفاتحة إلى سورة الناس وليس في بعض الآيات فقط. وأفضل ما يوصلنا الى استكمال المشهد ومعرفة ما يحصل في هذا اليوم العظيم أن تقرأ الكتاب كله (ذلك يوم مجموع له الناس) يجب أن يكون هناك جامع هو الله تعالى وليس للناس إرادة في ذلك وما دام الله تعالى هو الجامع آخذ من القرآن ملمحين (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا يرب فيه) والناس أصناف والله تعالى صنّف الناس عندما أنزل القرآن وصنّف الناس عندما جمع الكتاب.
الفضيحة قي ذلك اليوم ستكون على مرأى ومسمع ومشهد من لدن آدم الى قيام الساعة (ذلك يوم مشهود) الأفعال في هذه الآيات لله تعالى فهناك قوة في طريقة الأداء. (مجموع) أي ليس بإرادة الناس وعليه فيجب عليهم أن يعملوا لهذا اليوم وليس من الصدفة أن يبدأ الكتاب بسورة الفاتحة (مالك يوم الدين) وقلنا في حلقات سابقة أن أحداً لم يملك الزمان فليس من مالك للزمان إلا الله تعالى وهذا اليوم مملوك كزمانه لله تعالى؟ الأجل يعطينا مفهومين (لكل أجل كتاب) الذي تنتهي به حياة كل شيء (كتاب تعني زمن وميعاد) وهذه من الكلمات المشتركة اللفظ ويوم الدين أجل آخر (الزمان العام ليوم القيامة). وقال تعالى (أجل معدود) مهما طال فهو معدود ومحسوب ويقول أهل اللغة أن كل معدود قليل وإن بدا كثيراً (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريبا). ولتوقيع الكلمة في الخلد: الميت دخل القبر من عهد آدم وآخر دخله فبل القيامة بيوم كلاهما لا يشعر بالزمن لأنه كما قلنا في حلقة سابقة الزمن ينقطع بعد الموت بدليل الحديث الشريف "والله لتموتنّ كما تنامون ولتُبعثون كما تستيقظون وإنها لجنة أبداً أو نار أبداً". الميت في قبره انقطع عمله وحياته بنص الحديث الشريف "للإنسان في الدنيا ثلاث رفقاء المال لا يخرج من البيت والأهل والعمل" وكما قيل:
يا من بدنياه انشغل وغرّه طول الأمد
الموت يأتي بغتة والموت صندوق العمل
ومن هذا نفهم سرّ اتباع الجنائز ففيها رضى للماشي وتأديب لنفسه وتفكر في أنه اليوم حامل وغداً سيكون محمولاً.
قوله تعالى (مجموع له الناس): كل الأجساد التي خُلقت من آدم إلى قيام الساعة باختلاف ميتتهم يجمعهم الله تعالى يوم القيامة. هذا المجموع كما قلنا مجبرون عليه وجامعهم هو الله تعالى (إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) (إن الله جامع المنافقين) فالمؤمن والكافر مجموعين يوم القيامة. والله تعالى صنّف البشر في أوائل سورة البقرة (المتقين في 13 آية، الكافرون آيتان والمنافقون 13 آية) ويجب علينا أن نعمل حساب ذلك اليوم وكأننا بالقرآن يشير إلى أن أغلب حالات الناس النفاق بدليل قوله تعالى (قالت الأعراب آمنا) (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) الذي يؤدي الى التصنيف هو العمل وليس القول فيجب أن لا يتكل الناس على القول. في سورة الحجرات قال تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)) لم يقل أسلمنا وإنما قال قولوا أسلمنا. عندما تسمع مجموع له الناس يجب أن تفكر أنك منهم ولكن مع أي جمع ستكون؟ مع المتقين أو الكافرين أو المنافقين؟.
(يوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105): قوله تعالى (تكلم) لأن النفس البشرية طبيعتها المجادلة (كل نفس تجادل عن نفسها) أنت تتصور أنك ستجادل (لا تُكثر الجدال ولو كنت محقاً حتى لا تتعود على الجدال) لأن التعلّم الحق هو النقاش أما الجدال فلن يؤتي ثماره لا بالقول ولا بالعمل بدليل ما جاء في القرآن الكريم عن مجادلة المنافقين (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر) والبديع في توصيف الله تعالى أنه قلب الأمر عليهم (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)) (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)) ما فعلوه هم مخادعة أي مفاعلة فهم لا يستطيعون أن يخدعوا الله تعالى والمؤمنون في معيّة الله تعالى وما عداهم كفر أونفاق. يجب على كل مؤمن حقّ أن يلجأ للعمل. وتوصيف الناس (شقي أو سعيد) الشقي هو الشقي بفعله والسعيد ولن يتطابق التوصيفان في التطبيق (فأما الذين شقوا) بفعلهم هم و (أما الذين سعدوا) بقبوله الهدية والنعمة من الله تعالى وعلى رأسها رسول الله r(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ونعمة الاسلام ومَن قبِل الهدية هو من اتّبع الرسول r(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ألهمها أي بيّن لها وألهمها منذ البداية الفجور والتقوى ومن عظيم فعل الإله الحقّ أنه بيّن الفجور قبل التقوى لنتجنّبها (فلا اقتحم العقبة) وبيّن التقوى حتى نتّبعها ووضع تعالى على رأس الكتاب (هدى للمتقين) وهذه دائرة أضيق من الناس. فهدى الكتاب مقصور على المتقين وحتى تأخذ هداية الكتاب يجب أن تكون من أهل التقوى (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة..) مناط العقيدة سليمة وأهل التقوى في معية الله تعالى (لا تحزن إن الله معنا). (قد أفلح من زكاها) أي علاّها ورقّاها وفي سورة المؤمنون (والذين هم للزكاة فاعلون) هذه زكاة نفس.
الذي جاءه الاسلام وسنة الرسول r ولم يطبّق مع أنه مسلم أي أنه أعلن القبول وأبطن الرفض مع أي صنف يكون؟
الكافر الذي يعلن ككفره أفضل من المنافق لأن الكافر لا يضحك على نفسه ويبقى الايمان معروض عليه أما المنافق ضحك على نفسه وهو ليس مع ولا ضد وهذا أخطر على المجتمع وعلى نفسه من الكافر. والكاغر أقرب للإيمان من المنافق وفرصته في تلقّي الرسالة أعلى من المنافق.
(لهم فيها زفير وشهيق): هل النار تتنفس كأنها حية؟
الزفير فيه شرح كثير ويجب أن نسأل سؤالاً من المنطقي أن يكون الشهيق أولاً أما في الآية فجاء الزفير قبل الشهيق. هذه تأتي من النار التي تتغلغل في باطنهم فلها زفير من باطنهم أما الشهيق فمأخوذ مع أول هلّة في يوم القيامة (فمن زحرح عن النار) زفير في نار وشهيق في نار ولو طلبوا ماء يُغاثوا به يغاثوا بماء يشوي الوجوه فما بالك بالداخل والعياذ بالله.
(خالدين فيها ما دامت السموات والأرض( الأرض يومها غير الأرض والسموات والعرب كانوا يعبّرون بهذا التعبير دلالة على الأبدية والله تعالى يعبّر بسموات الآخرة وأرض الآخرة الباقية.
(إلا ما شاء ربك): الاستثناء هو فترة الحساب وهي ليست في الجنة ولا في النار. (إلا ما شاء) أحوال (ما) الاستثناء فقط لفترة الحساب التي سيُرحمون منها من العذاب وهي الفترة التي يكون فيها أهل الإيمان في غاية الشوق للجنة بعد أن يريه ملك الموت مكانه ومقرّه في الآخرة. بعض أهل اللغة استثنى فترة القبر أيضاً.
(إن ربك فعال لما يريد) وفي الجنة (عطاء غير مجذوذ) الكافرون كذبوا لذا قال تعالى (إن ربك فعال لما يريد) ما قاله لم يكن يوماً كذباً أما بالنسبة للمؤمنين (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع وهذا يؤكد أن الاستثناء قبل الجنة لأنه لما يدخل الجنة لا ينقطع العطاء.
(وقال الذين كفروا ربنا أرِنا الذين أضلاّنا) ماذا سيفيدهم هذا حتى لو وضعوهم تحت أقدامهم لن يستفيدوا شيئاً لأنهم جميعاً في النار. هذه الآية أقولها لكل مسلم يقع في براثن شياطين الانس. سُئل الحسن البصري أيهما أسهل شيطان الجن أو شيطان الإنس؟ فقال الأهون شيطان الجن إذا قلت أعوذ بالله انهزم أما شيطان الإنس غمن يقدر عليه؟ الإيمان مناطه في المسلم ليس كلمة وإنما فعل وعمل فلا تصلي العشاء مثلاً ثم تشترك في عمل قد تموت عليه ويدخلك النار.
لماذا يصف الله تعالى أسلوب الشيطان بالتزيين والتجميل؟
زينة تبدو لنفس عندها استعداد. منهم من يقول تصفّد الشياطين في رمضان ونرى ذنوباً ونقول هذا يتوقف على النفس التي تفتح المجال للشيطان لأن الشيطان يجري مجرى الدم في الانسان أي يفتح له المجال وهذا تعبير مجازي فمن يحزم أمره قبل رمضان تجده حازماً في رمضان ويكمل كذلك في شوال وغيره أما الذي لم يحزم أمره تجده يتعبّد في رمضان فقط.
كيف تفسر قوله تعالى (وإن كنتم في ريب مما أنزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله)؟ وهل الضمير في (مثله) يعود على القرآن أو على الرسولr؟
الضمير يعود على الرسول r أي من مثله من مثل الرسول الأمي وكما قلنا في الحلقة السابقة هناك تفسيران أحدهما يقول أن الضمير يعود على القرآن والآخر يقول كما قلنا أن الضمير يعود على الرسول r . في سورة الاسراء قال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)) من هذه الآية يظهر لنا أن المثلية للقرآن مستحيلة ابتداء. ونعود الى الآية موقع السؤال (على عبدنا) الكافرون اتهموا الرسول r بأنه يؤلف القرآن وتأتي الآية مخاطبة لهم طالما أنكم اتهمتموه فاتوا برجل على شكل محمد يأتي بمثل ما جاء به (وادعوا شهداءكم) الشهداء لن يشهدوا على القرآن لأنهم كفروا به لكنهم يشهدون على أمية الرسول r. (من مثله) تعني من مثل هذا الرجل الأمي الذي تدّعون أنه يقول هذا الكلام من عنده وادعوا شهداءكم على أمية الرسول r. ولو كان هناك مثلية للقرآن لكان القرآن مفترى (فاتوا بعشر سور مثله مفتريات) والتحدي قائم (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) أي لن يأتوا برسول مثل محمد يأتي بمثل ما جاء به.
تكلمنا عن مواصفات حال أهل الجنة ويجب أن نقف عند قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)) فما أصل من قبل ومتشابه؟
هذه الآيات فيها رأيان يردهما النص وأحاديث الرسول r. قوله تعالى (متشابهاً) في الدنيا هذا كلام مع احترامنا للعلماء غير نهائي ورحم الله تعالى من قال وهو يفسّر لا أعلم. متشابه لما في الدنيا (كلّما) ترد هذا التفسير والتشابه يأتي عليك مرة واحدة وليس مرات و(كلما) تدل على الاستمرارية. ثم كلمة (منها) لم يقل فيها . هم يقولون متشابهاً لما في الدنيا والحديث الشريف يقول في وصف الجنة :" فيها ما لا عين رأت" لن أقارنها بشيء من قبل لأني لم أره من فبل.
لقراءة المزيد تابع الموضوع الاصلي .... على الرابط ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
من حلقات برنامج طريق الهداية
للدكتور محمد هداية
والذي يبث على قناة دريم 2 الفضائية
عنوان الحلقة: الجنة ونعيمها
تقديم علاء بسيوني
نعيم الجنة خالد وأفضل نعيم الجنة رؤية الله عز وجلّ. قال تعالى في سورة هود (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)) الآيات في الجنة ذكرت خالدين فيها وفي آيات أخرى ذكرت خالدين فيها أبداً ما الفرق بينهما؟ وما دلالة الاستثناء في قوله تعالى (ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك)؟
هذا التصور يجب أن نحيط به كله ولا نقف عند ملمح واحد فقط. نأخذ المشهد في سورة هود من الآية 103 (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)) يتكلم تعالى عن يوم البعث والحساب ويذكر فيها صنفي البشر شقي وسعيد والكلام في هذا يحتاج إلى تدبر في كتاب الله من سورة الفاتحة إلى سورة الناس وليس في بعض الآيات فقط. وأفضل ما يوصلنا الى استكمال المشهد ومعرفة ما يحصل في هذا اليوم العظيم أن تقرأ الكتاب كله (ذلك يوم مجموع له الناس) يجب أن يكون هناك جامع هو الله تعالى وليس للناس إرادة في ذلك وما دام الله تعالى هو الجامع آخذ من القرآن ملمحين (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا يرب فيه) والناس أصناف والله تعالى صنّف الناس عندما أنزل القرآن وصنّف الناس عندما جمع الكتاب.
الفضيحة قي ذلك اليوم ستكون على مرأى ومسمع ومشهد من لدن آدم الى قيام الساعة (ذلك يوم مشهود) الأفعال في هذه الآيات لله تعالى فهناك قوة في طريقة الأداء. (مجموع) أي ليس بإرادة الناس وعليه فيجب عليهم أن يعملوا لهذا اليوم وليس من الصدفة أن يبدأ الكتاب بسورة الفاتحة (مالك يوم الدين) وقلنا في حلقات سابقة أن أحداً لم يملك الزمان فليس من مالك للزمان إلا الله تعالى وهذا اليوم مملوك كزمانه لله تعالى؟ الأجل يعطينا مفهومين (لكل أجل كتاب) الذي تنتهي به حياة كل شيء (كتاب تعني زمن وميعاد) وهذه من الكلمات المشتركة اللفظ ويوم الدين أجل آخر (الزمان العام ليوم القيامة). وقال تعالى (أجل معدود) مهما طال فهو معدود ومحسوب ويقول أهل اللغة أن كل معدود قليل وإن بدا كثيراً (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريبا). ولتوقيع الكلمة في الخلد: الميت دخل القبر من عهد آدم وآخر دخله فبل القيامة بيوم كلاهما لا يشعر بالزمن لأنه كما قلنا في حلقة سابقة الزمن ينقطع بعد الموت بدليل الحديث الشريف "والله لتموتنّ كما تنامون ولتُبعثون كما تستيقظون وإنها لجنة أبداً أو نار أبداً". الميت في قبره انقطع عمله وحياته بنص الحديث الشريف "للإنسان في الدنيا ثلاث رفقاء المال لا يخرج من البيت والأهل والعمل" وكما قيل:
يا من بدنياه انشغل وغرّه طول الأمد
الموت يأتي بغتة والموت صندوق العمل
ومن هذا نفهم سرّ اتباع الجنائز ففيها رضى للماشي وتأديب لنفسه وتفكر في أنه اليوم حامل وغداً سيكون محمولاً.
قوله تعالى (مجموع له الناس): كل الأجساد التي خُلقت من آدم إلى قيام الساعة باختلاف ميتتهم يجمعهم الله تعالى يوم القيامة. هذا المجموع كما قلنا مجبرون عليه وجامعهم هو الله تعالى (إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) (إن الله جامع المنافقين) فالمؤمن والكافر مجموعين يوم القيامة. والله تعالى صنّف البشر في أوائل سورة البقرة (المتقين في 13 آية، الكافرون آيتان والمنافقون 13 آية) ويجب علينا أن نعمل حساب ذلك اليوم وكأننا بالقرآن يشير إلى أن أغلب حالات الناس النفاق بدليل قوله تعالى (قالت الأعراب آمنا) (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) الذي يؤدي الى التصنيف هو العمل وليس القول فيجب أن لا يتكل الناس على القول. في سورة الحجرات قال تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)) لم يقل أسلمنا وإنما قال قولوا أسلمنا. عندما تسمع مجموع له الناس يجب أن تفكر أنك منهم ولكن مع أي جمع ستكون؟ مع المتقين أو الكافرين أو المنافقين؟.
(يوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105): قوله تعالى (تكلم) لأن النفس البشرية طبيعتها المجادلة (كل نفس تجادل عن نفسها) أنت تتصور أنك ستجادل (لا تُكثر الجدال ولو كنت محقاً حتى لا تتعود على الجدال) لأن التعلّم الحق هو النقاش أما الجدال فلن يؤتي ثماره لا بالقول ولا بالعمل بدليل ما جاء في القرآن الكريم عن مجادلة المنافقين (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر) والبديع في توصيف الله تعالى أنه قلب الأمر عليهم (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)) (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)) ما فعلوه هم مخادعة أي مفاعلة فهم لا يستطيعون أن يخدعوا الله تعالى والمؤمنون في معيّة الله تعالى وما عداهم كفر أونفاق. يجب على كل مؤمن حقّ أن يلجأ للعمل. وتوصيف الناس (شقي أو سعيد) الشقي هو الشقي بفعله والسعيد ولن يتطابق التوصيفان في التطبيق (فأما الذين شقوا) بفعلهم هم و (أما الذين سعدوا) بقبوله الهدية والنعمة من الله تعالى وعلى رأسها رسول الله r(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ونعمة الاسلام ومَن قبِل الهدية هو من اتّبع الرسول r(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ألهمها أي بيّن لها وألهمها منذ البداية الفجور والتقوى ومن عظيم فعل الإله الحقّ أنه بيّن الفجور قبل التقوى لنتجنّبها (فلا اقتحم العقبة) وبيّن التقوى حتى نتّبعها ووضع تعالى على رأس الكتاب (هدى للمتقين) وهذه دائرة أضيق من الناس. فهدى الكتاب مقصور على المتقين وحتى تأخذ هداية الكتاب يجب أن تكون من أهل التقوى (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة..) مناط العقيدة سليمة وأهل التقوى في معية الله تعالى (لا تحزن إن الله معنا). (قد أفلح من زكاها) أي علاّها ورقّاها وفي سورة المؤمنون (والذين هم للزكاة فاعلون) هذه زكاة نفس.
الذي جاءه الاسلام وسنة الرسول r ولم يطبّق مع أنه مسلم أي أنه أعلن القبول وأبطن الرفض مع أي صنف يكون؟
الكافر الذي يعلن ككفره أفضل من المنافق لأن الكافر لا يضحك على نفسه ويبقى الايمان معروض عليه أما المنافق ضحك على نفسه وهو ليس مع ولا ضد وهذا أخطر على المجتمع وعلى نفسه من الكافر. والكاغر أقرب للإيمان من المنافق وفرصته في تلقّي الرسالة أعلى من المنافق.
(لهم فيها زفير وشهيق): هل النار تتنفس كأنها حية؟
الزفير فيه شرح كثير ويجب أن نسأل سؤالاً من المنطقي أن يكون الشهيق أولاً أما في الآية فجاء الزفير قبل الشهيق. هذه تأتي من النار التي تتغلغل في باطنهم فلها زفير من باطنهم أما الشهيق فمأخوذ مع أول هلّة في يوم القيامة (فمن زحرح عن النار) زفير في نار وشهيق في نار ولو طلبوا ماء يُغاثوا به يغاثوا بماء يشوي الوجوه فما بالك بالداخل والعياذ بالله.
(خالدين فيها ما دامت السموات والأرض( الأرض يومها غير الأرض والسموات والعرب كانوا يعبّرون بهذا التعبير دلالة على الأبدية والله تعالى يعبّر بسموات الآخرة وأرض الآخرة الباقية.
(إلا ما شاء ربك): الاستثناء هو فترة الحساب وهي ليست في الجنة ولا في النار. (إلا ما شاء) أحوال (ما) الاستثناء فقط لفترة الحساب التي سيُرحمون منها من العذاب وهي الفترة التي يكون فيها أهل الإيمان في غاية الشوق للجنة بعد أن يريه ملك الموت مكانه ومقرّه في الآخرة. بعض أهل اللغة استثنى فترة القبر أيضاً.
(إن ربك فعال لما يريد) وفي الجنة (عطاء غير مجذوذ) الكافرون كذبوا لذا قال تعالى (إن ربك فعال لما يريد) ما قاله لم يكن يوماً كذباً أما بالنسبة للمؤمنين (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع وهذا يؤكد أن الاستثناء قبل الجنة لأنه لما يدخل الجنة لا ينقطع العطاء.
(وقال الذين كفروا ربنا أرِنا الذين أضلاّنا) ماذا سيفيدهم هذا حتى لو وضعوهم تحت أقدامهم لن يستفيدوا شيئاً لأنهم جميعاً في النار. هذه الآية أقولها لكل مسلم يقع في براثن شياطين الانس. سُئل الحسن البصري أيهما أسهل شيطان الجن أو شيطان الإنس؟ فقال الأهون شيطان الجن إذا قلت أعوذ بالله انهزم أما شيطان الإنس غمن يقدر عليه؟ الإيمان مناطه في المسلم ليس كلمة وإنما فعل وعمل فلا تصلي العشاء مثلاً ثم تشترك في عمل قد تموت عليه ويدخلك النار.
لماذا يصف الله تعالى أسلوب الشيطان بالتزيين والتجميل؟
زينة تبدو لنفس عندها استعداد. منهم من يقول تصفّد الشياطين في رمضان ونرى ذنوباً ونقول هذا يتوقف على النفس التي تفتح المجال للشيطان لأن الشيطان يجري مجرى الدم في الانسان أي يفتح له المجال وهذا تعبير مجازي فمن يحزم أمره قبل رمضان تجده حازماً في رمضان ويكمل كذلك في شوال وغيره أما الذي لم يحزم أمره تجده يتعبّد في رمضان فقط.
كيف تفسر قوله تعالى (وإن كنتم في ريب مما أنزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله)؟ وهل الضمير في (مثله) يعود على القرآن أو على الرسولr؟
الضمير يعود على الرسول r أي من مثله من مثل الرسول الأمي وكما قلنا في الحلقة السابقة هناك تفسيران أحدهما يقول أن الضمير يعود على القرآن والآخر يقول كما قلنا أن الضمير يعود على الرسول r . في سورة الاسراء قال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)) من هذه الآية يظهر لنا أن المثلية للقرآن مستحيلة ابتداء. ونعود الى الآية موقع السؤال (على عبدنا) الكافرون اتهموا الرسول r بأنه يؤلف القرآن وتأتي الآية مخاطبة لهم طالما أنكم اتهمتموه فاتوا برجل على شكل محمد يأتي بمثل ما جاء به (وادعوا شهداءكم) الشهداء لن يشهدوا على القرآن لأنهم كفروا به لكنهم يشهدون على أمية الرسول r. (من مثله) تعني من مثل هذا الرجل الأمي الذي تدّعون أنه يقول هذا الكلام من عنده وادعوا شهداءكم على أمية الرسول r. ولو كان هناك مثلية للقرآن لكان القرآن مفترى (فاتوا بعشر سور مثله مفتريات) والتحدي قائم (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) أي لن يأتوا برسول مثل محمد يأتي بمثل ما جاء به.
تكلمنا عن مواصفات حال أهل الجنة ويجب أن نقف عند قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)) فما أصل من قبل ومتشابه؟
هذه الآيات فيها رأيان يردهما النص وأحاديث الرسول r. قوله تعالى (متشابهاً) في الدنيا هذا كلام مع احترامنا للعلماء غير نهائي ورحم الله تعالى من قال وهو يفسّر لا أعلم. متشابه لما في الدنيا (كلّما) ترد هذا التفسير والتشابه يأتي عليك مرة واحدة وليس مرات و(كلما) تدل على الاستمرارية. ثم كلمة (منها) لم يقل فيها . هم يقولون متشابهاً لما في الدنيا والحديث الشريف يقول في وصف الجنة :" فيها ما لا عين رأت" لن أقارنها بشيء من قبل لأني لم أره من فبل.
لقراءة المزيد تابع الموضوع الاصلي .... على الرابط ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])